في منزلها في جوهانسبيرغ، رحلت نادين غورديمير (1923-2014) مساء الأحد بحضور ولديها هوغو وأوريان وفق بيان أصدرته عائلتها أمس. انطفأت الكاتبة التسعينية مطمئنةً إلى ميراثها. لم تذهب كتاباتها في فضح التمييز العنصري في بلادها هباءً. انتهى زمن الأبارتهايد بقوة ضربات موجعة كانت الكاتبة الجنوب أفريقية أحد مداميكها الصلبة.


إذ كرّست حياتها وأدبها لفضح خزي قانون العزل العنصري، والذهاب بعيداً، في تفكيك التاريخ المظلم لعلاقة البيض بالسود، حين كانت علاقة حب بين ملوّنين ضرباً من المحرّمات. هكذا اتجهت الفتاة البيضاء الثرية إلى الضفة الأخرى المعتمة، واختلطت بالسود في علاقات معقّدة، وأماطت اللثام عن العدالة المفقودة، في نظام كولونيالي شره ومتوحش. لنقل إذاً، إنّها الصورة السردية الموازية لمواطنها مانديلا كوجهين لعملة واحدة، خارج شروط متاهة سلطة متوحشة. هذا الحفر العميق لثنائية الحرية والعبودية، والعبيد والسادة، والعدالة والظلم، أفضى أخيراً، إلى إلغاء الحواجز العرقية في جنوب أفريقيا، كما كوفئت صاحبة» الغنيمة» بجائزة «نوبل للآداب» (1991). لكن أهمية أدب غورديمير تكمن في سردها المهجّن وخياراتها التجريبية الملهمة في بناء دراما حيّة، عنيفة، ومتشظيّة، بجملة مكثّفة تمزج أحوال الفرد بالأقدار الجمعية للبشر، وكشف جغرافية العنف والزيف والنفاق في خريطة محتشدة بالألغام المتفجّرة. البصيرة النافذة لصاحبة «الحارس» قادتها باكراً، إلى تكريس حس العدالة واحتضان خيارات عسيرة في ما بدا حينذاك «يوتوبيا مستحيلة». كان على قراء أدبها الانتباه إلى النتوءات الجانبية لموضوعاتها التي تتمثّل في غبطة مؤجلة، وإصرار على تحطيم الأسوار اللغوية في بناء عمارتها السردية، من خلال إطاحة المقاربة السلطوية ذات البعد الأحادي في النص الاستعماري المركزي، نحو سرد متوتر ومقتضب ورشيق، ينطوي على مهارة خاصة وتجريب لغوي وبلاغي يتواءم مع هويتها القلقة. احتشاد مخيلتها بوقائع العار الاستعماري، أرسى سرديات متعددة في رصيدها القصصي والروائي، وتالياً، فإننا سنقع على مناخات متعددة في مشغلها الإبداعي، وإن تمحورت هذه الأعمال في مجملها حول التسامح والحرية وعناق الآخر بغبطة قصوى، تنطوي على أسى وغضب وحنان، وهتك عميق «لهمجية الخواء الإنساني». هذا ما نجده موزّعاً بين 14 رواية، و10 مجموعات قصصية، بالإضافة إلى أبحاث ومحاضرات وحوارات، تضيء عالماً رحباً وعميقاً وآسراً، كما في «وجهاً لوجه»، و»فحيح الأفعى الناعم» و»العالم البورجوازي الزائل»، و»ابنة برغر»... كانت روايتها الأخيرة «لا وقت مثل الحاضر» (2012)، كشف حساب شامل لأرشيف التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا.
رحلت غورديمير، وقد عاشت آلام القرن المنصرم، وطوت العشرية الأولى من القرن الـ 21 بوصفها أيقونة نضالية، لطالما كانت الصوت الأقوى في فضح «عنف الألم».