ميونخ | غداً، يبدأ مهرجان «أكتوبر فيست» في مدينة ميونخ الألمانية، ويستمر على مدى ستة عشر يوماً في نسخته الـ181. المهرجان الشعبي يعتبر الأكبر من نوعه على الإطلاق في العالم، ويحضره سنوياً حوالى ستة ملايين سائح. بدأت عاصمة مقاطعة بايرن الاحتفال بهذا الحدث منذ عام 1810 حين تزوّج الأمير لودفيغ (توّج ملكاً في وقت لاحق) بالأميرة تيريزا فون زاكس هيلدبورغوزين.


يعتبر «الأكتوبر فيست» مهرجاناً للبيرة البافارية الذائعة الصيت عالمياً. بالنسبة للكثيرين من محبي المشروبات الروحية، لا تعتبر البيرة مشروباً نخبوياً، وهي وبخلاف النبيذ مثلاً تُعد أقرب إلى مشروب الشارع. أما في مقاطعة بايرن (جنوب ألمانيا)، فالأمر مختلف تماماً لأنّ جودة البيرة ليست موضوعاً قابلاً للنقاش بالنسبة إلى السكان، وهي كما مصانع سيارات BMW الفارهة، مصدر للافتخار والزهو البافاري.
تقدّم البيرة داخل خيم ضخمة، حيث غالباً ما تعزف الفرق الموسيقية أغاني شعبية من التراث الألماني. إلا أنّ هذا لا يلغي حقيقة أن فعاليات المهرجان تتعدّى تقديم البيرة. عادة ما ينجح الحدث في أن يكون عائلياً، رغم سمعته المرتبطة بالكحول وما يرافقها من أعمال شغب محتملة. يخصص المنظمون العديد من أماكن اللهو والألعاب إضافة إلى المأكولات التقليدية والمعاصرة. واللافت هو ارتياد كثير من عائلات الجالية الإسلامية في ألمانيا هذا المهرجان، ما يزيل أي شك في أن يكون «أكتوبر فيست» أكثر من مجرد حانة عملاقة.
تستوقفك أزياء الزائرين التقليدية، إذ ترتدي النساء فساتين «دريندل» المستوحاة من اللباس التقليدي للمزارعات في جبال الألب، أما الرجال فيرتدون سراويل جلدية قصيرة وقمصاناً خاصة بالمناسبة. أزياء ارتبطت تاريخياً بالخدم في مقاطعة بايرن قبل أن يتبنّاها السياح في أواخر القرن التاسع عشر.
على مر السنين، أُدخلت تعديلات على هذه الملابس التقليدية لتواكب الموضة، ما اعتبره عشّاق التراث البافاري ضريبة معقولة في مقابل بقاء الأزياء على قيد الحياة، على الأقل خلال فترة المهرجان.
ينجح رهان مدينة ميونخ الأنيقة في تحويل «أكتوبر فيست» إلى مهرجان يتسع للجميع، ولا تفوته المنافع الاقتصادية التي تعود على المدينة جرّاء قدوم عدد هائل من السياح إليها. تصر المدينة التي تُعد الرافعة الاقتصادية لألمانيا على إحياء تراثها باعتزاز، مقدّمة بذلك مثالاً جديداً على أنّ المقدرة على صناعة السيارات الفاخرة لا تتعارض إطلاقاً مع الإصرار على بث الروح في التقاليد والعادات التي يرجع تاريخها إلى مئات السنين. كل ذلك في وقت تحرص ميونخ على الشفاء من التراث النازي الذي يقع على مسافة زمنية قريبة.
إنّها مدينة، ومن ورائها أمة، تُحسن إحياء تراثها واخضاعه للمساءلة، وممارسة انتقائيتها النزيهة عليه بثقة وشجاعة!