في محاضرة ألقاها في «مسرح بيروت» عام 2003، تساءل الشاعر أدونيس عمّا إذا كانت الرؤية الهندسيّة لبيروت تستجيب لما يفترضه مكانها الطبيعي. كان جواب «مهيار» بديهياً: «كلا»، ذلك أنّ الهندسة المعمارية التي تهيمن اليوم على العاصمة اللبنانية تفتقر إلى «الحد الأدنى من الإبداع والخصوصيّة»، فالوجه المعماري لأي مدينة يرتبط عضوياً بالثقافة والفن، لكنّ بيروت ليست سوى «تقليدٌ ونسْخٌ مبتذل» كما وصفها أدونيس.
واليوم، يسائل مازن حيدر مجدداً الهندسة المعمارية للمدينة ومدى إرتباطها بالثقافة من خلال معرضه التصميمي «درابزين بيروت» الذي افتتح أخيراً في «آرت فاكتم غاليري». إسم المعرض يبدو رمزياً في البداية، لكن حيدر إنطلق من الدرابزين، لأنّه التفصيل الذي يشتمل على عناصر الدقة والجمال والفن، ويرتدي أهميّةً كبيرة في العمارة اللبنانية. نماذج من أبرز التصاميم المنتشرة في المزرعة والحمرا والظريف ومار مخايل وغيرها من أحياء المدينة، إجتمعت في المعرض ونفذت بتقنيات طباعية مختلفة. يشكل المعرض توثيقاً لدرابزين بيروت بين أواخر الثلاثينيات حتى الستينيات، أي فترة الحداثة التي تغلغلت في المدينة قبل إندلاع الحرب. منذ القرن التاسع عشر حتى فترة الحداثة، حافظ الدرابزين على طابعه الفني والمزخرف، وأعطى لأبنية المدينة وأحيائها طابعاً مميزاً.
معرض حيدر الذي يضمّ 40 تصميماً مطبوعاً، يعدّ جزءاً من مشروع كبير سيصدر في نهاية العام بين دفتي كتاب بعنوان The Balustrades Of Beirut. سيشمل الأخير توثيقاً للأحياء والأبنية والعمارات التي تتميز بالدرابزين، وسيضيء على العلاقة بين المهندس المعماري والحرفي، مظهراً وثائق أصلية لعمارات قديمة. تم هدم بعض الدرابزين، والبعض الآخر ما زال صامداً في وجه العمليّة الممنهجة لردم ذاكرة المدينة. يشّدد الأكاديمي والمهندس اللبناني الشاب على ضرورة وضع قانون يحمي ما تبقى من تراث بيروت المعماري. قد يأتي يوم تصبح فيه العاصمة اللبنانية دبي، هذا ما تحذّر منه رسوم الغرافيتي المنتشرة في الأحياء القديمة كالجميزة... لكن أعمالاً توثيقيّة كمشروع مازن حيدر تحفظ ذاكرة المدينة الجميلة أمام عمليات الردم ولو بشكل كتاب أو أغنية أو لوحة فنية.




«درابزين بيروت»: حتى 23 شباط (فبراير) ــ «آرت فاكتم غاليري» (الكرنتينا ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/443263