في السنوات الأخيرة، وخلال العام الفائت بشكل خاص، تَصدَّرَ المشهد بروزُ المشايخ على الشاشات، متوتّرين من مصر إلى السعوديّة ولبنان، كلٌّ يفتي على اجتهاده وبعضهم يُكفّر القريب قبل البعيد. ولم تعد «الجزيرة» سبّاقة بالشيخ يوسف القرضاوي، فسائر الشاشات باتت حافلة بالعمائم.

أكبر الظنّ أنّ أمر اليوم صادر من الرياض، فمقابل السيّد حسن نصر الله يُراد رجال دين يسدّدون الإصبع ويرفعون الصوت ويتوعّدون. لقد طال استئثار نصر الله بالمنبر.
الحقّ أنّ شيعة لبنان لم يجلجل لهم صوت قبل الإمام موسى الصدر. كانت الساحة الإسلاميّة وقفاً على أهل السنّة، وإنْ لم يكونوا حينها في وجه الشيعة بل في وجه المسيحيّين. ورغم عبارة الصدر أنّ السلاح زينةُ الرجال لم يصبح الشيعة مخيفين إلّا في عهد نبيه برّي. غير أنّهم ظلّوا مخيفين كميليشيا بين الميليشيات إلى أن بزغ عصر «حزب الله». وظلّ «حزب الله» في طور استكمال بنيانه وهويته إلى أن تسلّم نصر الله زعامته، فأضحى الحزب هو الحزب وشيعته هم السلطة.
كان أهل السنّة مرتكز العروبة وفي يدهم جرن معموديّتها. وكانوا في هذا صنو أهل الشام، وزمن الناصريّة أخذوا ينافسونهم. ولم تصدح حناجر بالقضيّة الفلسطينيّة والثورة الجزائريّة كما صدحت في الشارع البيروتي. وفرط ما اقترنت العروبة بالمسلمين السنّة بات المسيحيّون _ ناهيك بالشيعة والدروز _ المشاركون في التظاهرات العروبيّة أو الناشرون في صحف «بيروت»، و«بيروت المساء» و«الشعب» وسواها، يبدون مسلمين، ولا ينفع كثيراً كون اسم الواحد منهم جورج أو كلوفيس. تلك قوّة التيّار. ذات يوم يجب أن يعطي أحد من وقته لدراسة ظاهرة الأقليّة وسط الأكثريّة، كحفنةٍ من المسيحيّين وسط خضمٍّ من المسلمين أو العكس. وكان العكس موجوداً، فكنت ترى نوّاباً أو كتّاباً مسلمين تحت جناح مسيحي، ولكن في الغالب جناح سياسي انتخابي ككميل شمعون أو آل إده، ونادراً ما تجد «مناضلاً» عقائديّاً مسلماً منضوياً تحت لواء الكتائب أو الدعوة الفينيقيّة. لم يكن مثل هذا الخليط الجميل موجوداً إلّا في حزبين هما الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي. وقبلهما وأثناءهما عند الماسونيّين. ولا جدال في أهميّة الدور الذي لعبه هؤلاء الماسون في تثوير الفكر العربي، وقد بات هناك كتب تؤرّخ لهم وتتحدّث عنهم بالتفصيل.
يتساءل الدكتور محمّد السمّاك، في ندوة على شاشة «الجديد» أدارها الأستاذ جورج صليبي، أين المسيحيّون في الثورات العربيّة الجديدة. ويذكّر بالدور القيادي الذي اضطلع به هؤلاء في معركة الاستقلال عن تركيا، ثم في التحرّر من الاستعمار الأوروبي، ومثله ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين. لماذا ينكفئ المسيحيّون عن الثورات العربيّة؟
أولئك المسيحيّون الذين يشير إليهم الدكتور السمّاك لم يكونوا رجال دين بل كانوا علمانيين. والذين يُسألون اليوم رأيهم هم رجال الدين أو الملتحقون بهم من السياسيّين. بين المسلمين أنفسهم هل يتجاوز عدد المتكلّمين المعتدلين أصابع اليدين؟ أليست الأكثريّة الطاغية رجال دين أو ملتحقون بهم أو مزايدون عليهم من إخوان وسلفيّين؟ أمثال السمّاك في أجهزة الإعلام قلّة، ولهم فضلٌ كبير في المثابرة، والكلّ يعلم أنّهم صورة صادقة عن بيئتهم الواسعة، وأنّ المتطرّفين أقليّة، لكن مَن يُموّل ويمسك بالخيوط تكفيه إدارة أقليّة نشطة للسيطرة على الشارع وتحريك الفتن.
لم يكن الشارع يوماً طوعاً للقدّيسين، بل هو بالأحرى سلاح ضدّهم. السمّاك يتكلّم باسم شعب، الدمويّون والمسمومون يتكلّمون باسم شارع، والشارع في التخريب أقوى من الشعب.


■ ■ ■


كان السنّة، إذاً، حاملي لواء العروبة منذ الاستقلال عن تركيا. حلّت دمشق لديهم محلّ الباب العالي. كانت سوريا قلعة العروبة خاصّة أنّها كانت بقايا الدولة الأمويّة. لم يكن في سوريا طائفيّة ظاهرة، ولكنّ السلطة كانت في قبضة السنّة. السلطة والأكثريّة الديموغرافيّة. والحقّ أنّ هذا لم يقف حائلاً دون تعيين مسيحيّين في مناصب عليا وصلت إلى رئاسة الحكومة، ولم يميّز الحكّام في اختيارهم للوزراء والسفراء والضبّاط بين سوري ولبناني وعراقي وفلسطيني وعربي وكردي، وحتّى حصول أوّل انقلاب عسكري ظلّت دمشق أكبر عنوان للعروبة المترفّعة.
في غضون ذلك كانت عوامل الفوارق الطبقيّة والمذهبيّة تفعل فعلها المستتر. وبدأ شباب السنّة يعزفون عن الالتحاق بالجيش لينصرفوا إلى المهن الحرّة، فيما وجد أبناء العلويّين الفقراء أبواب الجنديّة مفتوحة أمامهم فتدافعوا إليها.
ومن عاصمة الخلافة الأمويّة تحوّلت دمشق إلى عاصمة الملك العلوي. وبعدما كان سنّة لبنان يعتبرون الشام وطنهم الأصلي الذي سُلخوا عنه أخذوا تدريجيّاً، هم وسواهم، يكتشفون أنّ العُرى تغيّرت. وتيقّن لهم، بعد حروب لبنان ثم تحالف حافظ الأسد مع إيران ضد العراق، أنّ هناك قوّة طالعة في لبنان هي الشيعة تنظر إلى سوريا وإلى إيران نظرتها إلى الحليفين العضويين الصافيين، وأنّ إيران وسوريا بات لهما في لبنان قاعدة شعبيّة إسلاميّة تمتد جذورها مع السلطتين فيهما أبعد غوراً من ظواهر السياسة والشعارات العقائديّة القوميّة تارةً والأمميّة اليساريّة طوراً، لتذهب عميقاً في اللاوعي الديني، وهو الأقوى من كلّ العصبيّات.

■ ■ ■


هل نرد الأمور إلى أحجامها الواقعيّة زرعاً لليأس؟ إطلاقاً، بل نشراً للأمل. كيف؟ مراجعة بسيطة تبرهن أنّ كلّ فريق لبناني أخذته نشوة انضماميّة أو التحاقيّة أو انعزاليّة لم يلبث أن عاد منها مقتنعاً بعبثيّتها.
ومكتفياً بما جنى فيها من فوائد استطاع التشارك فيها مع الأفرقاء الآخرين في الوطن الصغير.
الموارنة تَيَّهوا حيناً بالفينيقيّة وحيناً بالتفرنُس، وها هم يلتحقون هذا بالشيعة وذاك بالسنّة.
السنّة انتشوا واستقووا حيناً بالعثمنة وحيناً بالناصريّة والفلسطينيّين، ثم عادوا يهتفون لبنان أوّلاً. ونحن نكرّر ما قلناه مراراً: سيمضي الشيعة في الانحياز لشيعة إيران وعلويّي سوريا إلى آخر الشوط، وسيعودون كما عاد إخوانهم في الوطن. الطائفة الكبرى في لبنان هي لبنان.
يذهبون مذاهبهم بحثاً عن حماية من مصير أو انتقاماً لمصير ويعودون عَوْدَهم حين يكتشفون أنّ الحماية الحقّة هي في تغيير المصير عبر الاندماج لا عَبْر القهر. الذات المأسوية، مثل الذات اللبنانيّة، لا بدّ لها من قسوة التضحية كي تولد وتنمو في العافية.




ماذا نخفي؟
قصّة عن آدم وحوّاء قبل السقوط.
فيلم سينمائي.
سفر التكوين لا يشير لغير ثوانٍ لهما في الجنّة. هل طردا بعد خلقهما بأيام؟
شهر عسلهما، مثلاً، على الأقلّ؟ حياتهما اليوميّة قبل السقوط. أحاديثهما. انبهارٌ متواصل؟ مَلَل؟ ضيق؟ تكارُه؟
كيف نستطيع أن نتصوّر معاناتهما بعد السقوط ونحن لا نعرف شيئاً عن حالهما قبله؟ ولماذا في الجنّة وليس في السماء؟
كلّ ما نعرفه هو الحكم الذي لفظه الله بحقّهما.
الأمر ذاته عن قايين. هامَ على وجهه وعين الله تطارده، لكنّ هذه الصورة التي ابتكرها خيال فكتور هوغو، هل تكفي ليتوقّف العالم عندها؟
ورثنا أدياننا بلا سؤال. ربّما لأنّها أديان. لو تعاملنا معها على أساس أنّها أساطير لتجاوزنا الحدود. ولكن حتّى الأساطير (الفرعونيّة، الهنديّة، اليونانيّة، جلجامش) نحنّطها. خيالنا ينبطح أمامها مجرّداً من السلاح.
المقدَّس، عوض أن يفتح لنا السماء، يُغلقها.
حيناً نقول: لا حدود للعقل، وحيناً يجمد خيالنا عصوراً دهوراً كالمصعوقين.
ماذا نُخفي، مَن نَحمي بهذا العجز؟




عابــــــــرات

وُجد الهواء ليتنفَّس الكائن. وُجد الحبّ ليتنفّس الكون.

■ ■ ■


أملٌ عظيم يمشي يداً بيد ألم عظيم: ذلك هو تاج قَدَر الإنسان.

■ ■ ■


كيف للعاشق أن يعرف، لحظةَ تنظر إليه المعشوقة تلك النظرة الخارقة أوّل مرّة، إنْ كانت تستودعه نَفْسها أم تسلبه نفسه!؟

■ ■ ■


أجمل ما تقوله الصبيّة تأثّراً بحبيبها ليس «حبيبي» بل بالدارج: «يَمّي!».

■ ■ ■


الحبّ القويّ فعلٌ إلهيّ لا يخلو من هرطقة.

■ ■ ■


اللانهائي صغير، يبدأ من بؤبؤ الطفل.

■ ■ ■


أين يذهب الهواء بالأريج الذي يَحمل؟