عينا فاتن حمامة أجمل من عيني الجوكوندا.

ليس في وجه الممثّلة المصريّة غموضُ ابتسامةِ الإيطاليّة، لكنّ فيه إشراق الطفولةِ الخالدة الغموض في شفافيّة براءتها.
تظنّ أنْ ليس في وجهها غير العذوبة والأنوثة، لكنّك لا تلبث أن تكتشف السخرية، سخرية لطيفة أخويّة، وسخريةٌ متمرّدة كهبّةِ نسمةِ حرير، وسخريةٌ إذا غضبت فكشجرةِ وردٍ تُزايدُ على الريح التي تراقصها.
إذا حزنتْ يحزنُ المشاهد ويدمع قبلها. عادةً يقال إنّها جسّدت في السينما «البنت الغلبانة». لا أحبّ هذه الصورة، فيها بؤسويّة لا تُشبه فاتن حمامة إطلاقاً. قل إنّها جسّدت «البنت» في المطلق: البنت التي يُخاف عليها، التي تستثير فيك طبائع الحماية، البنت الوَسَط بين الطفلة والمراهقة والمراهقة ومراهقة أكثر نضجاً، البنت التي، من فرط نضارتها وإدخالها الروح إلى حياتك، لا تريد لها أن تكون إلّا معك. ومَن ذا يودّ أن يسمع اسمه من صوت آخر بعد أن تناديه فاتن حمامة باسمه؟ والارتعاشات أو الدموع غير الظاهرة التي ميّزت صوتها، ارتعاشات كحِيَل الأولاد الخائفين من قسوة الكبار، دموع نجاةٍ تارةً وخوف طوراً، دموعُ مَن خَبِر الحياة قبل أن يولد.
مناسبة هذا الكلام إعادة عرض فيلم «أفواه وأرانب» على إحدى الفضائيّات، ثم مجيء فاتن حمامة إلى بيروت لتسلّم شهادة الدكتوراه الفخريّة من الجامعة الأميركيّة. والحاضر يستسقي الماضي.
في منتصف ستّينات القرن الماضي زارت بطلة «دعاء الكروان» وزوجها عمر الشريف بيروت. كنتُ، إلى جانب عملي في «النهار»، أترأس تحرير مجلّة «الحسناء» التي كادت تتحوّل معي إلى مجلّة أدبيّة. كانت سونيا بيروتي كبرى المحرّرات في المجلّة وعلى صلة بمعظم المشاهير. فاتحتُها، كما فاتحتُ رفيقتنا حنان الشيخ، (ولا أذكر ان كان الزميل رفيق خوري قد انضمّ الينا يومها) في شأن إجراء مقابلة مع فاتن حمامة تكون موضوع غلاف العدد. قالت نحاول. كانت مكاتب «الحسناء» تحتلّ مكان «النهار» القديمة في سوق الطويلة، وكان الوصول إليها يقتضي صعود دَرَج ضيّق معتم من عهد العثمانيّين له أوّل وليس له آخر. وعوض أن أقوم أنا وسونيا وحنان والمصوّر وسائر الفريق بزيارة الفنّانة الكبيرة في الفندق كما يقتضي الواجب والذوق، فوجئتُ بفاتن حمامة تدلف من الدرج العثماني وتسألني: «إزيَّك يا أستاذ أُنسي؟». كان وجهها الملهم قد سكنني كما سكن الملايين من زمان عبر أفلامها، (بدأت أوّل أدوارها في الخامسة أو السادسة من عمرها مع محمد عبد الوهاب في فيلم «يوم سعيد»)، لكنّي لم أكن أتوقّع هذا السحر، هذا القُرب، هذا التواضع المربك. كان وبالاً عليّ أن أسمع اسمي بصوتها، فلم أعد من بعدها أستطيبه من فم أحد.
فاتن حمامة أرقى صورة عن الفنّ المصري، موقظةُ أخطر شعورين في المُشاهد: الإعجاب والذنب.
أمضت فاتن معنا في «الحسناء» بضع ساعات لن أنساها. أجابت عن كلّ الأسئلة وكأنّها تعرفنا ونعرفها من مئة سنة. تحوّلت المجلّة وسوق الطويلة وبيروت إلى حقول مغناطيسيّة خلقها حضور فاتن وعيناها المستعصيتان على الوصف وصوتها الذي، بجاذبياته المتعدّدة، يتحوّل إلى قلب بجانب قلبك، الأوّل يداعب الثاني والثاني يقول لنفسه: إنّها نعمةٌ لا أستحقّها.
كان ذلك أوّل لقاء، وأسعدني الحظ بلقاءاتٍ ثلاثة أخرى وهذه المرّة بصحبة عمر الشريف: مرّة عابرة على غداء في مقهى «الكافي دو لا بريس» بدعوة من المرحوم حبيب نحّاس، ومرّة في سهرة عند ناديا وغسان تويني في بيت مري، والمرّة الأخيرة في سهرة عند فيروز والأخوين رحباني وكانت فيروز قد انتقلت حديثاً من بيتها القديم في أنطلياس إلى دارتها الجديدة في الرابية. لا أنسى مشهد فاتن جالسة قرب يوسف وهبي وهو باسط جناحيه على كتفيها. كانت ترتدي نظّارات بسبب تعب عينيها من البروجكتورات. كان يوسف أكبر من أبيها، وكان يشعر نحوها بأبوّة، وكانت تستملح نكاته، وهو صاحب العبارة الشهيرة «شرف البنت زيّ عود الكبريت ما يولّعش إلّا مرّة واحدة». كنتُ في حينها أنشر له مذكّراته في «الحسناء» حيث يظهر زير نساء من الطراز المخيف. وسألته في السهرة، مغتنماً انشغال فاتن بحديث مع فيروز: «ما يولّعش إلّا مرّة واحدة؟». فأجاب بوقار أكثر هزليّة من الهزل المباشر: «سيبك. هوا ما يولّعش إلّا مرّة واحدة كلّ مرّة».
كانت تلك آخر مرّة أتيح لي فيها السهر في حضور نجمة الشاشة المصريّة.
تغضب في بعض أفلامها («أفواه وأرانب») فتبدو مثل قطّة تخرمش الستائر والهواء. في «دعاء الكروان» لم يجسّد أحد مثلها فتاة الصعيد. وتحبّ الفيلم (بركات) أكثر ممّا تحبّ الكتاب (طه حسين). بنْت مصر بأجمل ما فيها.
زمنٌ لم تعد فيه فاتن حمامة صبيّة السينما ولا أمّ كلثوم مطربة مصر ولا فريد الأطرش مجسّد الرومانسيّة ولا شكري سرحان وأحمد مظهر فتيي الشاشة ولا عبد الوهاب سقف الجميع، زمنُ أيِّ شيء هذا؟
ليتنا لم نعش لنقارن. ليتنا ولدنا في زمن الانحدار كي نرى كلّ هذا الهبوط صعوداً.





ذَهَبَ شيء
أقرأُ ميخائيل نعيمة يهاجم منتقدي لغة جبران ويُمسّح بهم الأرض.
أقرأ أنطون سعادة يُفنّد شفيق معلوف ورشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وينتف الريش غير هيّاب.
أقرأ أمين الريحاني في محاضرة شهيرة عن المتنبّي ألقاها في حلب أمام شعراء العرب المبايعين أبا الطيّب أميراً وملكاً ومتنبّئاً. أقرأه يخصّص ثلاثة أرباع المحاضرة لتفكيك أسطورة المتنبّي وتعرية أخلاقه، كالبخل والأنانيّة وفَجَع المال وشبق السلطة.
أقرأ نفسي بادئاً حياتي الأدبيّة بمقال سمّيته «إلى سعيد عقل ومَن تحته» تعقيباً على حديث أفضى به لمجلّة «الثريّا» (منتصف خمسينات القرن العشرين) فبطرَكَ فيه هذا وبارَكَ ذاك وغاص في تنظيرٍ بدا لي مضحكاً. مقال ازعر مجنون لولا سعة صدر سعيد عقل لما سامحني مدى الحياة.
أقرأ هجمات أدباء الكتائب والاشتراكيّين والشيوعيّين على «نشوء الأمم» لسعادة ولا أفهم أيّ مجتمعٍ ديموقراطي عظيم كنّا فيه. (رغم أنّ بعض القوميّين ردّوا على أحد منتقدي كتاب سعادة بضربه).
وأقرأ «يسوع ابن الإنسان» ولا أرى تكفيراً لجبران.
أقرأ تحليل شاتوبريان لإحدى روايات جورج صاند (ليليا) وأتدرّج معه من الملاطفة إلى النقد ومن النقد إلى التجريح ومن التجريح إلى الإعدام.
وبدون حقد ولا تصفية حساب ولا أيّ دافع غير إبداء الرأي.
ثم أقرأ ما كتبه شاتوبريان عن داهية فرنسا تاليران، الذي لم يتوقف عن خيانة وطنه وبيعه سواء بعد الهزائم أو بعد الانتصارات ومع هذا استطاع بنفاقه وبساطة المحيط السياسي أن يجعل نفسه الدبلوماسي الذي لا غنى عنه. مسَّحَ به شاتوبريان، الذي عاصر المراحل كلّها من داخل وفي مراكز عليا، مسَّحَ به قدميه. وكان المعروف أنّ نابوليون هو السند الحقيقي لوزيره المنافق، وإذا بي أكتشف في محفوظات نابوليون مخاطباً تاليران يوم 28 كانون الثاني 1809 في جلسةٍ لمجلس الوزراء قائلاً: «أنت لصّ، جبان، شخصٌ عديم الأخلاق. طوال حياتك خدعتَ الجميع. لو تسنّى لك لبعت أباك».
وأقرأُ تذابح فولتير وروسّو، والرومنتيكيّين وبقايا الإتباعيّة، ومؤيّدي اليهود (قبل قضية دريفوس وبعدها) وكارهيهم، وأقرأ كراريس النهضويّين وترجماتهم من الشميّل وفرح أنطون إلى اليازجي والبستاني وفارس الشدياق... ذَهَبَ شيء. ليس هو الحريّة، فالحريّة في توسّع، ولا هي الريادة، فكلّ لحظةٍ يمكن أن تكون رائدة. ذَهَبَ شيءٌ هو النزاهة، وعلى رأسها الموهبة، وإلى جانبهما العمل الرهباني المهيب.
وبعض التواضع.





وين بدّو يروح
«وين بدّو يروح الواحد وين بدّو يروح».
بدأتُ أردّدها بتأثير مطالعة كتاب لا ضرورة لذكر اسمه يُمجّد فيه المؤلّف نفسه منتصراً فرحاً كسكران يرقص في دائرة مهابيل.
لندع الكتاب وصاحبه. يطفح قلبي بالعبارة السابقة مراراً في اليوم. لا أقصد الذهاب إلى مكان، فكلّ الأماكن مميتة. ولا أقصد السفر، فلم يعد لي قدرة على شروطه. المقصود طبعاً الخروج من الذات ومن العالم. «وين بدّو يروح الواحد وين بدّو يروح». آخر مرّة قلتها، قبل دقائق، كدتُ أُهَبّج نفسي.
طرق الهرب معروفة ومستنزفة. كان الصبا في ذاته حلّاً، أين الصبا؟
النوم. مَن يجرؤ أن يستسلم للنوم بلا منوّم؟ وإلى جانب مَن تتحمّل أن تنام؟
ليت الرياح طوع يدي... ولكنْ إلى أين؟
«وين بدّو يروح الواحد وين بدّو يروح».





«أنا هيك»
عندما تقول امرأةٌ عن طباعها: «أنا هيك، والمش عاجبو يصطفل»، تعبّر عن شجاعةٍ كبيرة بموقف يدير ظهره لعادات التكيُّف ولهواجس الإعجاب.
امرأةُ «أنا هيك» لا تعيش تحت رحمة النظر إليها: تعيش في حريّة ذاتٍ نادراً ما عَرَفتها امرأة، وأكثر ما يستحقّ فيها الإعجاب هو استهتارها بما قد تَدْفعه ثمناً لهذه الحريّة.



قَشّة قَشّة
جَمَّعَ الغلال قشّةً قشّة وراح يحرسها. غلّةُ معرفةٍ هنا، غلّة اندهاش، غلّةُ أُلفةٍ هناك، وغلالُ تَحفُّظ لا تقلّ حلاوة.
لا تقل إلّا حصاد ظماءاتِ مساءِ العمر.
وفي لحظةٍ واحدةٍ اشتعلت الغلّةُ بعود كبريت بريء، أفتك ما فيه براءته.
سقط الوادي حيث كان، أعمق ممّا كان، يتطلّع بعين الذاكرة المكسورة إلى ما كان جبله.



عابــــــرات


إذا أردتَ «الوقوع» في تجربة، ثابر على الخشية منها.

■ ■ ■



أجملُ ما فيك هو الطفل الذي كان يرفض أن يكبر وفجأةً قرّر أن يبدأ...


■ ■ ■


حافظي على الحاجز بينكما، لعلّه الجامع الأهمّ.

■ ■ ■



يمكن أن نقول الحقيقة دون صدق ويمكن أن نَصْدق دون قول الحقيقة.

■ ■ ■


الملائكة لا يتكلّمون لأنّ الحنان أخرس.