البلد اللبناني في متاهة. ومن مفارقات هذه المتاهة وعلاماتها الكبرى أن نقف في الذكرى الحادية والأربعين للحرب الأهلية لنسأل عن عمرها الحقيقي. هي ليست وراءنا كما يقال، بل تحت أقدامنا تنخر الأرض التي نقف عليها، فتميد بنا ونجدنا نترنّح دورياً. في بلد الجماعات العمودية المتأهبة، يكون السلم الأهلي مواصلة للحرب بوسائل أخرى، أي يمكن قلب معادلة كلاوزفيتز المعروفة والقائلة إن الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل أخرى. مع ذلك، هناك ما يشبه التوافق على أن عمر الحرب الاصطلاحي بلغ غايته مع اتفاق الطائف والشروع في تطبيقه في عام 1990 أو 1991. ويعني هذا أن عمرها هو خمسة عشر أو ستة عشر عاماً. كان في مقدورنا، في عام 1991، أن نقول إنها وضعت أوزارها، أي أثقالها وأحمالها وآثامها وأسلحتها وهي في السادسة عشرة من عمرها.

أي أنها كانت قد بلغت وصارت صبيّة في أوج فتوّتها. فأين ذهب شبابها وعنفوانها؟ وأين وضعت أوزارها؟ في قلب السلم الأهلي الفاتر، بحسب كثيرين.
سيظل بمقدورها إذاً أن تتقدّم برشاقة نحو مائدة أعمارنا لكي تطفئ شموعها الست عشرة.
في عيوننا
وكلما أطفأت الحرب شمعة في عيوننا، ازدادت رؤيتنا لكفافنا المزمن.
وبما أنها اليوم لا تزال تضج حيوية، فإننا سنبصر الظلام كله.

بيروت، قبل الحرب، كانت ملح الثقافة العربية

ولن نتأسف على سنواتنا الخمس عشرة. فنحن لم نعشها أصلاً إلا على سبيل الحسبان.
وهذا بالضبط ما يجعلنا نكبر بفظاظة ونكتشف فصلاً من «ميتافيزيقا» الحرب.
نكتشف أن أرواحنا تتورّم أو تتجوّف في الغفلة التي لا نكف عن تشخيصها. كأننا نستعير هواء مجازياً لنسند ما تبقى من الخرافة.
تماماً مثل جدران المدينة المتهالكة التي يسندها البحر الملاصق والنفايات المتراكمة.
بحر مترع بوحشته وأوساخه وببقايا الجثث المرمية فيه. حتى إن زرقته تتآكل أحياناً، وتتجوف أحياناً أخرى.
لكم يشبه هذا البحر ثقافة المدينة المتداعية.
ولكم تشبه الحرب الأهلية مبنى القصيدة العمودية. فجولاتها، كأبيات الشعر العمودي، تستقل الواحدة عن الأخرى، بحيث لا تعثر القصيدة ــ الحرب على وحدتها الداخلية إلا من خلال الوزن الذي ينظمها من خارجها.
والحرب حروب لها أوزان وأحجام وإيقاعات. منها الطويلة والوافرة والمديدة والبسيطة والكاملة والسريعة والمنسرحة والخفيفة والمضارعة والمقتضبة والمتداركة والمتقاربة... الخ
باختصار، يمكننا التحدّث عن علم عروض الحرب. ويمكننا أن نستولد المقايسات والمحايثات، كالتكهن بعملية تسجيع وتقفية للحرب، وبوجود وقفات وقواف متلاحقة ومتراصفة كأسرّة المستشفيات وتعاقب الجرحى والموتى.
المهم في كل ذلك هو الطبيعة العمودية للذهنية التي تصنع الحرب وللثقافة العملية التي يحترفها النحاة والمسجّعون.
إذا شئنا الترميز، نستطيع القول إن بيروت، قبل الحرب، كانت ملح الثقافة العربية. كانت ملحاً في المعنى الرمزي الذي يعطيه الشاعر الفرنسي سان ــ جون بيرس لملوحة الصبابة والرغبة.
فهي تحمل الدفء والحميمية كما تحمل الحدّة وسرعة الانعطاب.
إنها تعثر على حريتها بقدر ما تبدّدها. تبتكر الحداثة بقدر ما تؤهلها للعومان. ترفع شأن الأفراد بقدر ما تسيّجهم بالعلامات المتأهبة لأصولهم الجمعية. تنشئ تاريخاً بقدر ما تحاصره بلهاث الأصل وخرافاته.
مدينة من القطن المملّح إلى حد أن عيوننا تحرّقت من إدمان التعدد والتحسّر عليه.
نحن وعاء كل ذلك، ونحن تجاوزه في آن.
لكننا نعجز عن رمي القطن في البحر المجاور. كأنّ الملح الدامي بات أيقونة لسيرتنا. تلك التي لا تكتمل إلا بما تفتقده.
سيرة ناقصة ومؤجلة إلى أمد بعيد.

كاتب لبناني مقيم في باريس