من مكتبة صغيرة في الرياض اشترى يوسف المحيميد كتب الأساطير، والقصص الشعبيّة التي كانت تصل آنذاك من بيروت. شُغل الطفل بسيرة سيف بن ذي يزن، لكنّه اكتشف أنّ صفحات النهاية ممزّقة في الكتاب المستعمل. كانت تلك الشرارة الأولى لعلاقته بحرفة الكتابة، قد فتحت شهيّته على النهايات المحتملة. ولد الروائي السعودي عام 1964، في حيّ الشميسي، أحد أحياء الرياض القديمة. ولادته صبياً بعد سبع بنات، كانت لها مزايا وسيئات؛ إذ أصبح مسؤولاً عن العائلة من جهة، لكنه حظي بدلال والدته وتقديرها من جهة أخرى.


صاحب «أخي يفتش عن رامبو» (المركز الثقافي العربي/ 2005) يتذكر بيت العائلة الكبير. كان المنزل يضج بالأولاد، ما خلق فرصة للاختلاط المبكّر مع الآخرين... لكنّه ولّد لديه شعوراً بالعيش في أحد ملاعب كرة القدم، هو الميّال إلى الوحدة وحبّ المطالعة. «والدي النجدي طوّقنا بتقاليد قاسية. التلفزيون كان مُحرَّماً. لم يكن ثمة تسلية إلا القراءة. الخيار الأصعب والأجمل».
لم يهتدِ المحيميد إلى الكتابة إلّا في بداية المرحلة الجامعيّة. كان مشغولاً بهواية أخرى هي الرسم. اعتنق التجريد، بعدما ناشدته والدته أن يمتنع عن رسم البورتريه. «طلبت مني التوقّف عن رسم المخلوقات الحية، ما يُعَدّ برأيها محرّماً في الإسلام. ولم أملك إلا التوقّف». انتقل بعدها إلى التصوير الفوتوغرافي، وطعّم هوايته بدراسة التصوير في «كلية نورج» (نورويتش) البريطانية عام 1998. نشر صوره الفوتوغرافيّة الأولى مع نصوص بصريّة في زاوية «فضاء البصر» التي أخرجها في صحيفة «الرياض»
السعوديّة.
رحلة النشر في الصحف السعوديّة بدأت عام 1981، مع مجموعة قصصية قصيرة. أحرجه ذلك في الثانوية. مع شخصيّته الانطوائيّة، لم يستطع قراءة قصصه على زملائه في الصفّ. أسند المعلّم تلك المهمة إلى طالب آخر، كان يتمتّع بقدرة خطابيّة عالية. «ذلك الولد الذي تولى قراءة قصصي أمام الطلاب، أصبح اليوم شاعراً إسلامياً معروفاً».
لم تتحوّل الكتابة إلى مسألة جادة في حياة صاحب «القارورة» (المركز الثقافي العربي/ 2004)، إلا في سنته الجامعيّة الأولى. داخل «كلية العلوم الإدارية/ قسم إدارة أعمال» في «جامعة الملك سعود» كانت البيئة مليئة بخليّة من الأدباء والمثقفين، دخل معهم في مشروع إصدار مجلة «حوار» (1983). لقيت المطبوعة رواجاً، وانتشرت في الكليات المجاورة، لكنّها توقّفت بعد سنة إثر مرسوم ملكي قضى بوقف المجلات والنشرات الجامعية لأنّها «غير رسمية». كان ذلك قبل التحوّلات التي عصفت بالمملكة، وصعود التيار الإسلامي في الثمانينيات، وقيامه بالتعتيم على كلّ مبادرة حداثيّة وتنويريّة. «حاولنا إحياء مجلّة الحوار بعد سنتين من المنع، لكنّنا لم ننجح إلّا في إصدار عدد واحد، قوبل بهجمات شرسة من التيار الديني، جعلتنا حديث المساجد وخطب الجمعة».
كانت السعوديّة تشهد يومها صراعاً بين تيارين: تيار «حداثي» يعمل على إصدار مجلات، وعرض أفلام، وتنظيم أمسيات شعريّة. وتيار أطلقت عليه تسمية «جماعة الجوالة» التي راحت تنظّم لقاءات دينية خلال الرحلات البريّة. «أوجدت تلك الجماعة مضاداً لتيار الحداثة في البلد، وأثرت في سير الكثير من الطلاب، وهيمنت على المشهد الثقافي والجامعي». لكنّ المحطّة الأهمّ في تجربة المحيميد، كان صدور ملحق «أصوات» الثقافي الشهري في مجلة «اليمامة» الأسبوعية (1985). اهتمّ الملحق بنشر القصص القصيرة، والنصوص الشعريّة، ونجح في خلق حالة جماهيريّة واسعة.
عام 1989، تجرأ المحيميد على جمع قصصه ونشرها في مجموعة طبعها على حسابه الخاص بعنوان «ظهيرة لا مشاة لها». «تلقّيت بعدها من وزارة الإعلام أمر استدعاء للتحقيق، بعد خطاب وملاحظات من أحد المشايخ المعروفين، اتهم فيه مجموعتي القصصية بأنها تتعرض للجنس».
لكنّ المجموعة أفلتت من «التهمة»، لكونها كانت مجازة رسمياً قبل النشر. بعد ثلاث مجموعات قصصية، دخل عالم الرواية مع باكورته «لغط الموتى» (اتحاد الكتاب العرب/ 2000). يحكي فيها عن كاتب يحاول تأليف رواية، لكنّه يفشل. يسرّ إلينا أنّ نفَسه قصير في الكتابة. «لا يمكنني تعبئة أكثر من أربعين صفحة».
صاحب «فخاخ الرائحة» (الريس/ 2003) التي ترجمت إلى لغات عدة، وفازت بجائزة «ألزياتور» الإيطالية، فاز بـ«جائزة أبو القاسم الشابي» العام الماضي، عن روايته «الحمام لا يطير في بريدة» (المركز الثقافي العربي/ 2009). برأيه، الجوائز تدعم الكاتب معنوياً، وتحرّضه على الكتابة. «هي أشبه بالقدر، تعترض طريقك وتحصل عليها، أو تتجاوزك». سلوك المحيميد جاء مثيراً للجدل أحياناً، داخل النخب التقدميّة التي تواكب تجربته بشغف. في النهاية، ليس هناك ما يمكن أن يلام عليه لمشاركته في مهرجان «أصوات عالمية» الذي أقيم في الولايات المتحدة عام 2008، وأثار جدلاً بسبب مشاركة سلمان رشدي في فعاليّاته. لكن ماذا يقول عن مساهمته في أنطولوجيا «مدينة: قصص مدن من الشرق الأوسط» (دار «كوما برس»)، إلى جانب الكاتب الإسرائيلي إسحق لاؤور الذي نشر قصة «تل أبيب» إلى جانب قصص عكا، وبيروت، والرياض، والقاهرة...؟ يرفض التعليق: «هذه ليست سوى مواضيع للإثارة، الصحافة تشغل نفسها بلا شيء».
كان المحيميد محظوظاً بإفلاته من الرقابة العائلية على الكتب بسبب أميّة والديه. هكذا، قرأ «ألف ليلة وليلة» في سنّ مبكرة. لكنّ أخبار الرقابة والمنع على كتبه تصله أحياناً. «قال لي أحدهم إنّه يخفي رواية «الحمام لا يطير في بريدة» عن بناته». لكنّه يرى أنّ هذا النوع من الرقابة غير مجدٍ في زمن الإنترنت. صاحب «نزهة الدلفين» (رياض الريس/ 2005) يحكي بنزق حين نسأله عن الصراع بين الليبراليين والسلفيين. «وقعنا في فخ تصنيف الناس، وهذا التصنيف أضرّ بالبلد، وجعل الصراع يتوقف على الأشياء الصغيرة فقط». السعوديّة تعاني برأيه من مشاكل أكثر جذريّة. «المسرح شبه معطل والسينما محرمة، وهناك تيار ديني يرى أنّ هذا الفن جزء من الخراب». هذه الثقافة العرجاء لا تريد أيّ وجود فاعل للمرأة في الحياة العامة. «كيف نطالب بوجودها على خشبة المسرح، وهي مغيبة عن خشبة المجتمع بأكمله؟»، يسأل. يرى أنّ حال المجتمع السعودي، مختلفة قليلاً عن باقي الدول العربيّة، رغم الصخب الذي خلّفته بعض التظاهرات أخيراً: «الميديا الحديثة خدمت المجتمع، وجعلتنا نشهد تظاهرات على الإنترنت. علينا أن لا نستهين بواقع افتراضي صنع الثورة في تونس ومصر».
يعمل المحيميد حالياً على رواية تستلهم تاريخ «وسط الجزيرة» بين عامي 1890 و1910 ودور السلطنة العثمانية في تلك المرحلة. كذلك سيصدر له قريباً عمله الروائي الجديد «حجر أحمر في منهاتن»، عن «دار مدارك»، يسرد فيه يومياته في الولايات المتحدة. بالنسبه إليه، الكتابة هي خلاصه الوحيد والأخير.




5 تواريخ


1964
الولادة في أحد أحياء الرياض القديمة

1986
تخرّج من «جامعة الملك سعود»، قسم إدارة الأعمال

2000
روايته الأولى «لغط الموتى» (اتحاد الكتاب العرب/ دمشق)

2011
فوز روايته «الحمام لا يطير في بريدة» بجائزة أبي القاسم الشابي (تونس)

2012
تصدر قريباً روايته «حجر أحمر في منهاتن» (دار مدارك) ويسرد فيها يومياته في الولايات المتحدة