توقّف المناضل الأممي تشي غيفارا، في قرية كمشيش (محافظة المنوفية/ شماليّ القاهرة) عام 1965... حيّا بابتسامة عريضة، وعينين لامعتين، الثائرة العشرينية في وجه الإقطاع، ورفاقها الفلاحين. سلّمت عليه. كان برفقة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. طلبت من الأخير أن يرفع العزل المفروض على القرية. وعدها الرئيس، فأنشدت مع الفلاحين: «‏سنين‏ ‏عزلونا‏ ‏عنك‏ ‏يا‏ ‏جمال‏. ‏حرب‏ ‏مسعورة‏ ‏شنّوها‏ ‏علينا‏. ‏بالدم‏ ‏غسلنا‏ ‏ذل‏ ‏الإقطاع».

مرّ الموكب الرئاسي، لكن أثره بقي محفوراً في ذاكرة المناضلة الشرسة شاهندة مقلد. تحتفظ بصورة كبيرة للثائر غيفارا، بجوار صورة زوجها المناضل الشيوعي صلاح حسين الذي استشهد عام 1966، أي قبل غيفارا بعام واحد. «لا فرق بينهما عندي، كلاهما ناضل ضد الاستغلال والعبودية». تبكي، وهي المقاتلة التي شاركت زوجها المقاومة المسلحة ضد الإقطاعيين.

تحاول الهرب من الشعور المؤلم، فتجد صور رفيق عمرها في كلّ ركن من أركان بيتها في حي مدينة نصر (القاهرة). تبلّ ريقها ببعض الماء. تنهمر دموع إضافية. هذه المرّة، إنّها دموع الفرح بـ«ثورة يناير». «فرحانة يا صلاح. إنّ غرس أفكارك أنبت ثورة». تنهمر دموعها مجدداً. «صلاح! كلّ ما فارقت وطنك، ورفاقك، وزوجتك من أجله، صنعه جيل من الشباب، هم امتداد للجيل الذي بدأت معه معركتك ضدّ الإقطاع».
رغم مرور كلّ ذلك الزمن، ما زال قلبها يدقّ، سليماً، بالنضال والحرية. ورغم تقدّم العمر (74 عاماً)، ووهن الجسد، إلّا أن ذاكرة شاهندة مقلد تأبى أن تغيّر طبعها الحديدي. تعرف بسهولة كيف تواصل زحفها نحو نقاط مركزيّة في خريطة العمر. عرفت الطفلة البورجوازية حياة الخطر باكراً مع حبيبها الأول، والدها عبد الحميد شوقي مقلد، الضابط الكبير والمثقّف. «كان عازفاً رائعاً على العود. لو لم يجبره والده العمدة على الالتحاق بكلية الشرطة، لاشتغل عوّاداً في فرقة أم كلثوم».
كانت شاهندة الابنة الكبرى وسط أربعة صبيان، وكانت أقرب إلى والدها من أمها التي كانت «طيبة، غير مغامرة». الترحال المتكرر الناتج من طبيعة عمل الأب، جعلها تشتبك باكراً مع التناقضات الطبقيّة في مصر. كذلك إنّ حديث الأب المتكرّر عن الاشتراكيّة مع ابنته المراهقة، أفهمها جذور التناقضات. «كان ضمن الطليعة الوفدية اليسارية». بعد سنوات عديدة، ستفهم شاهندة لماذا كان «يرفض إصدار أوامر بفضّ التظاهرات الشعبية عقب هزيمتنا في حرب فلسطين (1948)». الأب الذي أرسل إلى عبد الناصر برقية تقول: «إذا لم تفرجوا عن فلاحي كمشيش المعتقلين بسبب ثورتهم على الإقطاع، فاعتقلوني معهم» أوصاها بأن تدافع عن رأيها حتى الموت. منحها القوة لأن تنفصل عن زوجها الضابط الذي لم تكن تحبّه، لكي تتزوج بصلاح حسين، العائد لتوّه إلى كمشيش. اعتقل حسين في حينه لأنه نظّم الفلاحين، و«خصوصاً الطلبة»، ودرّبهم على حمل السلاح لمواجهة عائلة الفقي. كانت هذه العائلة تمتلك القرية، بمن فيها من فلاحين، وتذلهم، وتمنعهم من إكمال تعليمهم، أو رفع رؤوسهم عند مرور أحد أفراد العائلة في الشوارع. لذلك، لم يكن غريباً أن يقود صلاح حسين أعنف المعارك المسلحة ضدّ الإقطاع (1953)، فيُعتقَل ويُسجَن لعام من قبل نظام عبد الناصر الذي كان إصلاحياً وليس جذرياً في نزع الأرض من عائلة الفقي. «لم تُنزع الأرض لمصلحة الفلاحين إلا بعد خمس سنوات من الكفاح المسلح، راح ضحيته العشرات... ومع كل هذا لم تنته المعركة بعد مع الإقطاع في القرية».
المرأة ذات الشخصية الصلبة كبناءٍ عملاق، انهارت في بيتها في الإسكندرية، فور سماعها خبر اغتيال زوجها على يد عائلة الفقي في كمشيش (30 نيسان/ أبريل 1966). تبكي مجدداً. تتذكر. يتحشرج صوتها. «والله وعدني بالعودة سريعاً. قال لي إنّ الرصاص لا يعرف الطريق إلى جسده، لكن... أنا...».
تماسكت أم الأطفال الثلاثة (بينهم رضيع لم يكمل الشهرين)، مسحت دموعها، ونزلت إلى كمشيش، لتحمل نعش شهيد الحركة الفلاحية الثورية. هناك، تحوّلت الجنازة إلى تظاهرة شعبية. هتفت شاهندة بأعلى صوتها: «صلاح شهيد، والشهيد لا يموت». فردّ آلاف الفلاحين: «دمه في المصانع، دمه في الغيطان». طبع «أبريل الأسود» بصمته على كل تفاصيل حياة شاهندة مقلد. لم تخلع الثوب الأسود الذي كان جاهزاً لاستقبال أنباء مؤلمة كثيرة، كان آخرها مصرع نجلها وسيم في روسيا، وأخيها الضابط، وابن عمها... «هذا الفقد المتكرر هو تكريم لشاهندة. بعد موت وسيم، شعرت بأنني انتهيت، لكن «ثورة يناير» أحيتني من جديد».
انخرطت شاهندة شابةً في الحركة المسلحة مع رفيقها المسكون بالماركسية. وبعد وفاته، قررت أن تستكمل أمانة النضال، فذاع صيتها في الداخل والخارج. «زارني جان بول سارتر، وسيمون دو بوفوار ، وكان معهما عبد الناصر، واستقبلناهم بالهتاف للحرية وسقوط الإقطاع، واسوني بزوجي، والصحف الأجنبية كتبت عن ذلك».
تعرضت مقلد للسجن مرتين: الأولى في عهد السادات، وتحديداً عام 1971، إثر اشتداد الصراع المسلح مع الإقطاع الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. والثانية في كانون الثاني (يناير) 1981 بتهمة الانتماء إلى «الحزب الشيوعي المصري». وقتها نظم لها الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة «النيل»، وكتب فيها: «النيل عطشان يا صبايا،...، يا شاهنده وخبرينا، يا أم الصوت الحزين، يا أم العيون جناين، يرمح فيها الهجين، ايش لون سجن القناطر، إيش لون السجانين، إيش لون الصحبه معاكي، نوار البساتين، كلك محابيس يا بلدنا، وهدومك زنازين، وغيطانك الوسايع، ضاقت ع الفلاحين».
بقيت شاهندة مقلد تناضل ضدّ الإقطاع الذي أطلّ برأسه مجدداً، في عهد نظام مبارك. وقبل فترة، قادت مسيرة نسوية إلى «ميدان التحرير» ضمن مليونية ردّ الشرف (23 كانون الأوّل/ ديسمبر) لفتيات مصر اللواتي تعرضن لفحوص عذريّة مذلّة على أيدي جنود من الجيش المصري. لا تكترث بنصر الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. «لحظة اقتناص براغماتية للتاريخ. لعبوا على فقر الناس، ووعيهم المشوه. الشعب سيفيق من غفلته. من الجيّد أن يجرّب الآن أنّهم فارغون. الشعب كلّه يسار. مصر كلّها يسار. ستعود له ويعود إليها، بعد أن يسترد عافيته. و«ميدان التحرير» سيبقى سلاحنا، سيبقى الجمعية العمومية للشعب».




5 نواريخ

1938
الولادة في قرية كمشيش
(المنوفية/ شمال القاهرة)

1966
اغتيال زوجها المناضل
صلاح حسين على يد الإقطاع

1971
سجنت للمرة الأولى وأبعدت
عن قرية كمشيش

2011
بعد اندلاع ثورة «25 يناير»، قادت
مليونيّة «ردّ الشرف» احتجاجاً على كشوف العذريّة التي فرضها الجيش المصري على الثائرات

2012
تواصل النضال
في «ميدان التحرير»