الكاهن الذي وصل قرية صمّا في الجنوب السوري أوائل خمسينيات القرن المنصرم، أقنعَ معلّم المدرسة بإرسال ابنه إلى مدرسة حريصا في لبنان ليتعلّم اللاهوت. هكذا وجد الصبي نفسه فجأة في مكان صارم يشبه ثكنة عسكرية. لكنه سيغرق في قراءة القواميس والمقارنة بينها. كان عليه أن يتعلّم الفرنسية والعربية واللاتينية. وما إن تمكّن من لغة موليير، حتى بدأ قراءة الروايات بنهمٍ، إلى أن أجهز على رفوف مكتبة المدرسة، فعكف ابن الثانية عشرة على كتابة رواية. لا يتذكّر الناقد والمترجم السوري جمال شحيّد مناخات تلك الرواية تماماً. «كانت مزيجاً من رومانسيات جرجي زيدان، والعقاد، وطه حسين، ومارون عبود»، يقول. «هؤلاء هم أول من فتح أمامي الأفق إلى معنى حرية الرأي والنقد والمحاكمة».

من بيروت التي ذُهل لمرأى بحرها إلى القدس. ثلاث سنوات داخل «المدرسة الصالحية» في القدس، وضعته عند مفترق طرق. هكذا قرّر أن يخلع ثياب الراهب ويعود إلى دمشق، طاوياً صفحة من عمره المضطرب، ويبدأ حياةً مغايرة. «مررت في أزمة فكرية عصيبة بخصوص الخط الذي اخترته، وكان عليّ محاكمة حقبة كاملة من حياتي، وخلصت إلى ضرورة أن أتمرّد على كل اليقينيات المتراكمة في رأسي».
في دمشق، انتسب إلى قسم اللغة الفرنسية في جامعتها، إلى جانب عمله أميناً للمكتبة في وزارة المواصلات. نقطة التحوّل الكبرى في حياته صنعتها باريس ما بعد الثورة الطلابية (1968). كانت جامعة السوربون الجديدة مكاناً للتطلعات اليسارية بوجود مفكرين من أمثال فرانسوا شاتليه، وجاك دريدا، فيما كان سارتر يعتلي برميلاً وسط الحي اللاتيني، في خطبٍ لاذعة تدعو إلى التمرّد والثورة. أربع سنوات أمضاها في عاصمة الأنوار، انتهت بحصيلة فكرية غنية، هي مزيج من إيديولوجيات وأفكار متضاربة، كانت أقربها إليه الماركسية، إضافة إلى أطروحة دكتوراه في الأدب المقارن بعنوان «الوعي التاريخي في روايات إميل زولا ونجيب محفوظ».
التحق بجامعة دمشق، مرةً أخرى، أستاذاً لمادتي الفكر والترجمة في قسم اللغة الفرنسية. اليوم، حين يسترجع عقدين كاملين قضاهما داخل أسوار جامعة دمشق، يستغرب قوة صبره وتحمّله. يقول ضاحكاً: «تصوّر أن تُحارب وتُستدعى إلى الأمن للإجابة عن أسئلة تتعلق بذكر أسماء مثل فرويد، وماركس، وهيغل، وغيفارا أثناء المحاضرات؟». لكن الهواء الخانق لم يعمّ فضاء الجامعة إلا متأخراً، إذ كان «الأسبوع الفلسفي» الذي شهدته مدرجات كلية الآداب في الثمانينيات إحدى العلامات الفارقة التي رسّخها وجود مفكرين مهمّين أمثال صادق جلال العظم، والطيّب تيزيني، ونايف بلّوز، قبل أن تطوى هذه الصفحة نهائياً، وتخلو المدرجات المزدحمة من روادها. كان عزاء جمال شحيّد العمل في «المعهد الفرنسي للدراسات العربية». هناك، وجد فضاءً بديلاً من الجامعة، فنظّم مجموعة من الندوات الفكرية والنقدية، واستضاف عشرات الكُتّاب السوريين في «الاثنين الأدبي»، بمشاركة زميله حسّان عباس، إضافةً إلى مساهمته في تحرير حوليّة «الدراسات الشرقية». الاحتجاجات التي تشهدها البلاد، واضطراب العلاقات الفرنسية السورية، أدت أخيراً إلى إغلاق المعهد، فتوقفت نشاطاته قسراً.
نخرج من المقهى إلى الشارع، في صبيحة يوم جمعة ماطر. نعبر ساحة يوسف العظمة. لا أحد في الشوارع المحيطة، عدا بائع أعلام وطنية. يعلّق صاحب «الذاكرة في الرواية العربية المعاصرة»: «هذه مدينة موتى». لكنّه في المقابل لا يخفي تفاؤله بولادة المثقّف العضوي بدلاً من «المثقّف المبعثر» الذي احتكرته السلطة، طوال العقود الأربعة الماضية، تحت مطرقة القمع المتراكم. صورة المثقّف الجديد، كما يراها، مختلفة جذرياً عن النسخة القديمة: «ستكون مساهمته الفكرية أكبر، بعد الخضّات التي شهدتها وتشهدها البلدان العربية، ولعلّ ما يهمّنا حالياً هو استشراف المرحلة الانتقالية، واستبصار المستقبل الذي ينبغي أن يلبّي تطلعات الأجيال الشابة التي همّشتها الأنظمة، وأهملتها طويلاً». كان علينا أن نفرد جانباً من الجلسة لإسهاماته في الترجمة، لمناسبة صدور ترجمته لكتاب جورج فيغاريلو «تاريخ الجمال: الجسد وفن التزيين من عصر النهضة الأوروبية إلى أيامنا» (المنظمة العربية للترجمة). نتوقّف خصوصاً عند الجهد الاستثنائي والتحدي الذي خاضه في تعريب الجزءين السادس والسابع من سباعية «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست (1871 ـــ 1922)، بعد رحيل مترجمها إلياس بديوي قبل أن يتمكن من إكمالها. يقول: «أنا حريص في الترجمة على الدقة والأمانة في المقام الأول، وإبعاد رائحة الترجمة عن النسخة المعرّبة، فقد عاهدتُ نفسي على ألا أترجم كتاباً قبل مراجعته أربع مرّات، فيما تطلّب عمل مارسيل بروست ثلاث سنوات لإنجازه، نظراً إلى صعوبته وخصوصيته السردية».
يوزّع جمال شحيّد وقته بين النقد الأدبي والترجمة، مؤكداً أهمية الكتب التي ينوي ترجمتها، أو ما يسميه «النصوص الشائكة». هكذا اختار ترجمة «المفكرون الأحرار في الإسلام» للمستشرق الفرنسي دومينيك أورفوا، و«بين الأسطورة والسياسة» لجان بيار فرنان، و«الملحمة والرواية» لميخائيل باختين، و«رحلة إلى الشرق» لألفونس دو لامارتين. كما يستعد لترجمة كتاب «حرق الكتب» للمستشرق الفرنسي لوسيان بولاسترون، وهو موسوعة ضخمة عن تاريخ حرق الكتب من العصر الفرعوني، إلى العصر البابلي، حتى حريق مكتبة الإسكندرية.
على الضفة المقابلة، ترجم عملين عربيين إلى الفرنسية بمشاركة ميشال بوريزي، هما «السفينة» لجبرا إبراهيم جبرا، و«بريد بيروت» لحنان الشيخ. كتابه النقدي «الذاكرة في الرواية العربية المعاصرة» مساهمة لافتة في توثيق أعمال روائية اشتغلتْ على التذكّر والنسيان، وعلى حرائق الذاكرة المتشظية داخل الإنسان وخارجه. استعاد فيه نصوصاً مفصلية في الرواية العربية لنجيب محفوظ، والطيّب صالح، وغسان كنفاني، وعبد الرحمن منيف، وجمال الغيطاني، وإلياس خوري، وآخرين.
الراهب الذي تحوّل إلى الترجمة والنقد، تخلّص أخيراً من انطوائيته، بتأثير شارع مأزوم، وحالة قلق طويلة. ها هو يخرج من عزلته وأوهامه إلى شارع مختلف. ينصت إلى أفكار الجيل الشاب بآذان مصغية، وينخرط في لحظة غير مسبوقة.




5 تواريخ

1942
الولادة في قرية صمّا،
قرب السويداء (سوريا)


1960
دراسة الفلسفة واللاهوت
في «المدرسة الصالحية» في القدس


1974
أطروحة دكتوراه في الأدب المقارن
«جامعة السوربون الجديدة» (باريس)


2005
ترجمة الجزءين السادس والسابع من رواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود» (دار شرقيات/ القاهرة)


2012
صدور ترجمته لكتاب «تاريخ الجمال» لمؤلفه جورج فيغاريلو (المنظمة العربية للترجمة/ بيروت)