ما أقلّ الإنسان في بلادنا!

ما أصغره!
ما أضيقه!
وفي الحروب، والحروب الأهليّة خاصّة، يصير في نظر القويّ، يصير حشرة!
كلّ الأمم مرّت بهذا الانحدار. والغرب الذي اشترع لحماية حقوق الإنسان غرق أكثر من غيره، وحتّى أرقاه أمس واليوم، في زوابع الهمجيّة وبحار الدم، من غير تمييز بين مدنيّ وعسكريّ، وطفلٍ وكهل، وظالمٍ ومظلوم.
الى أن تَمدَّن، على الأقلّ أوروبّا، فأصبح الإنسان هناك مقدّساً.
نحن العرب شعوب طيّبة، لكنّنا، رغم عدم دمويّة العديد من مجتمعاتنا، لم نصل بعد إلى تقديس الإنسان.
هناك جماهير، شوارع، لا إنسان.
هناك شعب، شعوب، ربّما، لا إنسان.

ويُستباح العنف باسم الجماهير، والإنسان أعظم من الجماهير، ويُقْصَف ويُذبح ويُعذَّب ويُدمَّر باسم الشعب، والإنسان، الشخص الفرد الواحد، أكبر من الشعب.
تَسمع فلاناً يحكي عن الحسم فيُخيَّل إليك أنّه هجومٌ على فئران أو برغش.
تَسمع عمَّن يَقتل، عمّن يُقتل، لا عمّن يُحيي وعمّن يحيا.
في السلم استقرارُ التفاوت والقهر، في الحرب ملء الأرض بالجماجم، جماجم الفقراء، جماجم يُراد لها نشر الهدوء والاستقرار.
هدوء الموت واستقرار القبور.
قبورٌ تنام فيها الجثث بعينٍ واحدة ويرقد فيها الموتى ربع موت، الروح تحت الرفات كالجمر تحت الرماد.
الإنسان لم يصل بعد إلى دنيا العرب. لا يزال على الطريق. والطريق ملأى بحواجز الغطرسة والجهل والانتفاخ والتعصّب والتفرقة والجريمة.
العربُ آلهةٌ ومُسْتَعْبَدون.


■ ■ ■

حتّى يصبح للكائن العربيّ حيثيّة يجب أن يصل إلى السلطة. السلطة تحميه لأنّها تمكّنه من الرقاب. السلطة عند العرب تخويف. السلطة عند العرب خطيئة دون عقاب، فالسلطان إله.
حتّى يُسْحَل.
والسحلُ عادةُ الغوغاء العمياء لا خصلة الإنسان. الإنسان لا يَسْحَل مهما كان عدوّه متوحّشاً. الإنسان بالأكثر يُحاكِم، بالأفضل يعفو.
وليس هناك إنسانٌ في العالم العربي. هناك مجتمعات أقلّ دمويّة من مجتمعات، أرقى، ألطف، كالمجتمع المصري والتونسي والبحريني والمغربي.
التقديسُ امتيازٌ للسلطة. السلطةُ وحدها هي الحياة، هي الحقّ. الشعوبُ جموعٌ من تلامذةِ الصفوف الابتدائيّة، ومن المستمعين والنَّظّارة. ليس هناك إنسانٌ عربيّ.
هناك سنيّ شيعيّ درزيّ علويّ، هناك مسيحيّ إسماعيليّ كرديّ أرمنيّ، هناك شركسيّ آشوريّ قبطيّ سريانيّ بهائيّ كلدانيّ، ليس هناك إنسانٌ في دنيا العرب.
مَن أنتَ أيّها العربيّ؟ واحدٌ من اثنين: قاتلٌ أو قتيل. قائدُ دبّابة أو مُطارَدٌ من دبّابة. رجلُ استخباراتٍ أو مرعوب من الاستخبارات. صاحبُ حانوتٍ تبتزّه المافيا أو عضوٌ في المافيا.
حريّة، عدالة، مساواة؟ مَن أنت لتطالب بهذه؟ مَن تحسب نفسك؟ أسوجي؟ أميركي؟ فرنسي؟ ألماني؟ انكليزي؟ أنت يا قوّاد ولاه؟ يا عَرْص؟ يا خَوَل؟ أنت عم تحكي؟ بَدّك تعبّر عن شو؟ عن رأيك!؟ بَدّك تختار؟ بَدّك تكتب؟ بَدّك ترفض؟ بَدّك، بَدّك؟ بَدّك تموت يعني!؟ الله لا يردّك.
لكن الله يردّه، هذا المخلوق العربيّ، الله يردّ المغلوب على أمره. كلّ الفرق أنّ الله يردّه ولكنْ بعد طول غياب...
وفي هذه الأثناء، تُعامَلُ الضحيّة كحشرة حتّى لتظنّ نفسها، بينما تموت، أنّها تستحقّ الموت لا لشيء إلّا لأنّها سرقت لحظة من الحياة!
سرقتها من درب السادة، أصحاب العصمة، أصحاب الأحذية الإلهيّة التي تسحق الحشرات.
وفي سِلمنا كما في حربنا، غير مهمّ مَن يموت. رضيع، ولد، امرأة، رجل، شاب، عجوز، عائلة عن بكرة أبيها، غير مهمّ، المهمّ السيطرة! المهم الحسم!
غير مهمّ إلّا السلطة. لا، ليس لهذه الضحايا أسماء، ولا وجوه، ولم يكن لها أحلام. ولدتْ لتتقبّل مصيرها، ومصيرها الفقر والخوف واحتراق القلب. لم يكن هذا الطالب سيصبح طبيباً، ولا هذه الصبيّة حبيبة، ولا هذا الشاب معلّماً، ولا أخوه محامياً، ولا ابن حارته مهندساً، ولا ابنة الجيران صحافيّة، ممرّضة، طبيبة، فنّانة.
لا.
لا خير من هذه الجموع، في نظر المولى، إلّا التسبيح لله دائماً، وبارِك يا سيّد.
وباركي يا أميركا ويا روسيّا ويا إسرائيل.
خُلِق الغَنَم للذبح.
والعرب للتذابح.
ليس هناك إنسانٌ عربيّ واحد فوق رأسه خيمة تحميه من القتل.

■ ■ ■

ليت قوّة تحزمنا نحن الضعفاء، نحن المسالمين، وتقذفنا كالمنجنيق خارج أسوار جَنّاتنا الوطنيّة!
والله لا نستحقّ نعمةَ العيش بجوار هؤلاء الأشاوس الأكارم، وفي ظلال أحذية الآلهة...
نحن خفافيش تخاف شمسَ المدافع وصواعق الدبّابات وسطوع السيوف وقرقعة البطولة، خفافيش لا تطمئنّ إلّا لنعومة الليل ورحمة نوم السلاطين.
بالله حَسَنَة لجوءٍ لهذه الخفافيش من راجمات الحسم!
من أضواء النصر!
ليعطنا أحد، رجاء، ليعطنا أحد في أوروبّا الاستعماريّة وأميركا العدوّة الشيطانة، ليعطنا أحد إذن دخول، إذن احتماء من هذا النعيم العربيّ، حيث الباقون دون سحق يشعرون بذنب عدم وصول السحق، بعد، إليهم!
اغترِبونا أيّها الامبرياليّون!
رصيف، مأوى، دير، ميتم، الله يعطيكم أيّها الاستعماريّون!
ما أبعدكم، ما أبخلكم، ما أحلاكم أيّها الرأسماليّون المتوحّشون!
ألستم بحاجةٍ إلى شغّيلة، إلى شحّاذين، إلى مَن تمارسون عليهم ترف الشفقة؟ ألا تريدون التفرّج على أحفاد الحضارات المنقرضة؟
ألم تضجروا من هنودكم الحمر؟ ألا تريدون هنوداً طازجين؟
حسنة لله!.. بواخر تنقلنا من هذه الأوطان العزيزة.
شعوبنا تستغيث بمَن ينقذها من انتصار أوطانهاعليها.
شعوبٌ تتعطّش إلى الخيانة!




يسمع ويروح

ـــ خايف من مين؟
ـــ من اللي بيسمع وبيروح.
ـــ من الحكي؟
ـــ من هيدا يمكن مخابرات، من هيدا شيعي ومن هيدا سنّي ومن هيديك ناطر ع الكوع. والخوف علَيُن، بلكي أخد ع خاطرن من شي كلمة.
ـــ وين الرجولة يا رجل!؟
ـــ ما تواخذني.
ـــ بعلمي حُرّ وحريّة!
ـــ مرعوب من الحريّة. من حدا يمكن يفكّر إنّي حرّ.
ـــ بسيطة، برِمْها تهريج، ما بيأيّدوا ع التهريج.
ـــ ما بقى تمرق ع حدا.
ـــ يعني استسلام؟
ـــ اي، أكيد.
ـــ بلا خجل؟
ـــ بكلّ ممنونيّة.
ـــ عفكرة، ليش عمتكتب دارج!؟
ـــ حتّى ما يشتلقوا القرّاء...