تونس | في الوقت الذي كان فيه محبّوه يكتبون تهانيهم في مناسبة عيد ميلاده، كان الشاعر الأشهر في تونس محمد الصغير أولاد أحمد (4 ابريل 1955 ـــــ 2016) يلفظ أنفاسه الأخيرة في غرفة في المستشفى العسكري في تونس بعد عام من الصراع مع المرض الخبيث والعلاج الكيميائي. انطفأ صاحب «نشيد الأيام الستة» ظهر أمس في العاصمة التونسية بعد رحلة طويلة من الكتابة والصراع مع الإسلاميين ومقاومة الاستبداد والديكاتورية، بحثاً عن مستقبل أجمل لتونس. ولد أولاد أحمد في مدينة سيدي بوزيد (وسط تونس) ودرس التنشيط الشبابي والرياضي في الجامعة التونسية. خلال فترة شبابه، عمل في «دار الشباب» في سيدي بوزيد، فكان مدرِّباً لكرة المضرب. وفي سنة ١٩٧٩، شد رحاله إلى العاصمة ليلتحق بمقاهيها ومطاعمها وحاناتها ونواديها الثقافية. جاء إلى مقهى «الزنوج» آنذاك الذي كان يجمع المغرّدين خارج السرب من فنانين وشعراء وصحافيين ونقابيين، ويساريين خارجين لتوّهم من السجن بسبب أحلامهم بحياة سياسية ديموقراطية وعدالة اجتماعية. كسر بنية اللغة الشعرية السائدة واختار نمط الشعراء الصعاليك في العيش والكتابة. حوّل الشعر إلى لغة يومية تنطق بما يقوله الناس، فيما أصحاب ربطات العنق الشعريّة يتبارون كل عام في الكرنفال الشعري احتفاءً بولادة الزعيم الحبيب بورقيبة. الصغير كان يلتقط الكلمات التي بصقها المهمشون من سكان الحانات والمناطق النائية المهمشة والمُقصَون من المشهد الاجتماعي.

وفي وقت قياسي، أصبح نجم الشعر التونسي. أتيحت له هذه الشهرة لأنه نجح في تحويل الشعر من نشاط لغوي في القواميس وقواعد النحو والصرف والعروض الجامدة والباردة الى نشاط حياتي تختلط فيه أصوات الباعة في الأسواق الشعبية مع أغاني السكارى في الحانات ونساء المواخير العمومية التي سمّاها في إحدى قصائده الأولى بـ «حي النساء».
أدرك أولاد أحمد بفطنته العجيبة أنّ الشعر أساساً هو ضد السلطة بما تمثّله من استبداد وتفرّد بالرأي، وهو أيضاً نافذة على الأحلام والأغاني. لذلك، بدأ مسيرته الشعرية بقصيدة كانت سبباً في شهرته وعذاباته أيضاً هي «نشيد الأيام الستة» التي دوّن فيها ما يعرف في تونس بـ «ثورة الخبز» عام ١٩٨٤. صودر كتابه الأول، ولم يصدر الا بعد رحيل الزعيم الحبيب بورقيبة عن الحكم. ورغم أنّ النظام الجديد لبن علي رفع عنه الحظر، إلا أنه استقبله بقصيدة مطلعها «أقبل الجيش علينا ببيان مدني» لتبدأ علاقته الحذرة مع النظام السابق الذي عيّنه مديراً لـ «بيت الشعر» (من 1993 حتى 1997) ثم عزله بعدما أعلن انحيازه للمعارضة ضد بن علي.
وعندما بدأت شرارة الانتفاضة في مدينته سيدي بوزيد، كتب أولاد أحمد بياناً عبّر فيه عن انحيازه لموطنه وأعلن ما سمّاه «القيادة الشعرية للثورة التونسية». لكن المعركة الأساسية لأولاد أحمد كانت مع الإسلاميين الذين كان يسميهم «وزراء الله» نقلاً عن لينين.
نشر مجموعة من الأعمال النثرية والشعرية من بينها «تفاصيل» (1989)، «جنوب الماء» (1992)، و«الوصية» (2002). كما كتب مسرحية «فلوس القاز» اخراج الأسعد بن عبدالله (انتاج المسرح الوطني) وتمت مسرحة قصيدته «الوصية» (حوّلها الشاذلي العرفاوي)، كما تم تحويل عدد من قصائده الى أغنيات مثل «نحب البلاد». بعد رحيل بن علي، حاز أولاد أحمد مجموعة من التكريمات آخرها تخصيص يوم باسمه في «معرض تونس الدولي للكتاب» قبل ثلاثة أيام من رحيله.