يفضّل مصمّم الأزياء السعودي يحيى البشري أن يبدأ حديثه من «الطفولة المشردة». في قرية العسران، قرب مدينة أبها (أقصى جنوب غرب المملكة) وُلد البشري عام 1962. عاش طفولةً يصفها بـ«القاسية». وعلى الرغم من العادات والتقاليد التي تقيّد الحياة اليومية في القرى، كانت العسران «تعيش تطوّراً حضارياً ملفتاً». تعلّقت مخيّلة الطفل الصغير بأشكال الزخارف على البيوت والملابس. وكان جميع السكّان يحترفون الغناء في الحقول أيام الحصاد، وأثناء جلب الماء، وخلال سهراتهم الليلية. أول التغيّرات في حياة البشري تزامنت مع انتقال ابن الـ10 أعوام للدراسة في مدينة جدّة (غرب المملكة).


«كانت صدمة حضارية، خصوصاً أنني تعرفت في جدة إلى أشياء أراها أوّل مرة في حياتي، مثل السينما والتلفزيون». يشير إلى أن السينما كانت موجودة في جدّة منذ نهاية الستينيات، وأن «أغلب المدن السعودية كانت منفتحة في تلك الأيام، ولم تشهد تراجعاً إلا في بداية الثمانينيات، خصوصاً بعد احتلال «جهيمان» وجماعته الحرم المكّي في عام 1979. منذ ذلك الوقت تغيّر كل شيء».
يقول يحيى البشري إن الصدفة هي التي جمعته بمعظم الأعمال التي مارسها في حياته. «فجأة، وجدتني أكتب شعراً، وأنشر بعض القصائد في الصحف والمجلات المحلية» يقول. كان يفعل ذلك رغم اعتراض أهله الذين يخشون توجه ابنهم إلى «الوسط الفني»، وبناء علاقات مع الفنانين. «أتى والدي إلى جدة. أحدهم أخبره أنني أكتب شعراً وأعرف المغني عبّادي الجوهر. ضربني يومها ومزّق أوراقي، لأنّ ما فعلته كان «عيباً» من وجهة نظره». كان الشعر في المملكة، ولا يزال، مرتبطاً بالفن على نحو وثيق. وهذا ما جرى مع يحيى البشري لاحقاً، إذا باع عدداً كبيراً من القصائد لمطربين سعوديين. بعد الشعر الذي اضطر إلى نشره وبيعه تحت اسم مستعار تجنّباً لاعتراض الأهل، دخل عالم الصحافة. عمل في صحيفة «سعودي غازيت» التي تصدر باللغة الإنكليزية. سيواجه المتاعب مرة أخرى، بعد أن يتعدّى الخطوط الحمر في المملكة، بنشره مقالاً (1982) في صحيفة «عكاظ» يطالب فيه بأندية رياضيّة للمرأة. هكذا، دخل اسمه القائمة السوداء، ومُنع من السفر طيلة 6 أشهر. انتقل إلى الرسم، والفنون التشكيلية، لكنه سرعان ما وصل إلى محطته الأخيرة، وإلى مهنته التي سيبرع فيها: عالم الموضة... وبالطبع، لن يخبر أهله عن مشروعه الجديد. لم يكن يعرف عن تصميم الملابس شيئاً، باستثناء أزياء نساء قريته، وزخارف البيوت هناك. ذات يوم، قرر الذهاب في زيارة لصديق يملك محلاً لبيع الملابس النسائية في جدة. اختبر هناك متعة الفرجة ومغازلة النساء اللواتي كن يأتين إلى المحل. خلال تلك الفترة، أدخل البشري تعديلاته على بعض أزياء المحل، وراح يرسم بعض الموديلات. «اتصل بي صديقي صاحب المحل في أحد الأيام، وأعطاني مبلغ 5 آلاف ريال دفعها شخص إيطالي اشترى تصاميمي المرسومة... وبعد ذلك عرض عليّ دراسة تصميم الأزياء في إيطاليا». عرض مغر، سيجعل المصمّم السعودي في حيرة من أمره طيلة عام، قبل أن يقرر الذهاب إلى بلاد البيتزا والسباغيتي... «وما عدت رجعت!». درس في ميلانو ثمانية أشهر، طُلب منه خلالها تعلّم اللغة الإيطالية الصعبة. هكذا، كان عليه أن يغادر إلى فرنسا لإكمال دراسته في «الأكاديمية الفرنسية الأميركية للأزياء» التي تخرّج فيها عام 1988. وفي العامين التاليين، بدأ البشري عمله محاضراً في الأكاديمية نفسها. في تلك الفترة، تزوّج واحدة من طالباته الفرنسيات، ليرجع بعد ذلك إلى السعودية. في المملكة، بدأ يحيى رحلته في التصميم مع محترف خاص في بداية التسعينيات في مدينة جدة، من دون أن يحذو حذو زملائه في ذلك الوقت ممن عملوا في دُور لكسب الخبرة. ساعده في بداياته عدم وجود منافسين في المملكة.
في 1989، استقبلت مدينة القاهرة أول عرض لتصاميمه، بحضور مدير الأكاديمية التي درس ودرّس فيها. استخدم البشري في تصاميم ذلك المعرض ألواناً كانت ممنوعة عليه أثناء دراسته في فرنسا. عشقه لفوضى الألوان في الطبيعة جعل معلميه يتنبّأون له بالشهرة العالمية... وهذا ما حدث فعلاً بعد عام واحد. كان يحيى البشري في إيطاليا حين رفضت أميرة ويلز الليدي ديانا أن ترتدي أزياء مصمّمين إيطاليين، معلنة أنّها تريد تصاميم الإنكليز فقط، مثيرةً بذلك أزمة إعلامية اتُّهمت على أثرها بالعنصرية. كان البشري متابعاً للموضوع. وذات يوم، قرأ خبراً في صحيفة «الشرق الأوسط» مفاده أن الأميرة ديانا ستزور المملكة العربية السعودية. هكذا، كتب خطاباً إلى الأميرة، وساعده في إيصاله إليها أحد الدبلوماسيين البريطانيين، ليأتي الردّ إيجابياً بعد 15 يوماً: «أتتني الموافقة، مع تساؤل عن الزيّ الذي سترتديه الليدي ديانا في زيارتها للمملكة. صمّمت لها فستاناً بنقوش تشبه النقوش التي تزيّن جدران قريتي الجنوبية». فتح ذلك الفستان الباب واسعاً أمام يحيى البشري، ليكون أول عربي يشارك في «أسبوع الموضة» في باريس عام 1990. ارتداء أميرة ويلز فستاناً وقّعه «المصمّم الاستثنائي»، نقل الزي السعودي والتراث العربي إلى العالمية.
وجد يحيى البشري نفسه يقوم بدور تثقيفي في مجتمعه المحلي. «لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الألوان. المجلات كانت ممنوعة، والتلفزيون كان متابَعاً على نحو قليل جداً». كلّ العوامل كانت مع يحيى وضدّه، ففي حين كان متفرداً ومجدّداً، وُوجه برفض المجتمع المتحفّظ والمؤسسة الدينية التي كانت تحرق المجسمات التي يعرض عليها أزياءه، حتى كتبه والمجلات المتخصصة بالموضة كانت تحرق في المطار لحظة وصولها. صمت العائلة «الرهيب» تجاه عمل الابن انتهى بعد تسع سنوات، «حين رآني والدي مع الملك عبد الله في «مهرجان الجنادرية» الذي راح يشرح للملك البحريني عن التغيير الذي أدخلتُه في تصميم أزياء المهرجان السعودي». منذ 1997 حتى اليوم، يصمّم البشري أزياء المهرجان، كما بات اليوم مصمّم الأزياء الرسمي للأسرة السعودية الحاكمة. أحدث البشري ثورة في زي الرجل السعودي، مدخلاً الألوان والأقمشة الجديدة، الأمر الذي رفضه المجتمع مرة أخرى. هكذا، اتهم بـ«تشويه التراث والتقاليد»، لكن ارتداء الملك نفسه من تصاميمه، أغلق الباب على تلك الاتهامات.
يشتغل البشري معارضه كأنه يكتب قصة. في عرض «الخيل والإنسان» في ولاية كنتاكي الأميركية (أيار/ مايو 2010)، عمل على علاقة الإنسان بالخيل، وألبس عارضي الأزياء أقنعة خيول عربية. في عام 2003 في بيروت، قدّم عرضاً تخلله فستان مرسومة عليه بقايا دماء، وصورة محمد الدرة، مع صورة لدبابة إسرائيلية. الفستان استدعى هجوماً من الصحافة الغربية اتهمت البشري بدعم الإرهاب، في حين اتهمته الصحافة العربية باستغلال القضية الفلسطينية تجارياً. «قفزت على البكائيات العربية... الرسم لغة عالمية يفهمها الجميع». بين السعودية وباريس، يستمر يحيى البشري بالإبداع. في 5 تموز (يوليو) المقبل، سيحتفل على أحد مسارح «أسبوع الموضة» الباريسي بمرور عشرين سنة على دخوله عالم الأزياء، مع عرضه الجديد «العودة إلى الجذور» الذي سيحاكي فيه الصعوبات المادية والإعلامية التي عايشها منذ بداياته حتى اليوم.





5 تواريخ

1962
الولادة في العسران،
إحدى قرى مدينة أبها

1988
تخرّج في «الأكاديمية الفرنسية الأميركية» في باريس

1990
نال شهرة عالميّة بعد تقديمه فستاناً للأميرة ديانا أثناء زيارتها للسعودية

2003
هاجمته الصحافة بعد تناوله القضية الفلسطينية في أحد عروضه في بيروت

2012
سيقدّم عرضه «العودة إلى الجذور» في الخامس من تموز (يوليو) ضمن «أسبوع الموضة» في باريس