زميلاته وزملاؤه في المدارس الرسميّة والخاصّة التي صرف حياته المهنيّة في أروقتها، يكنّون لمحمود عسّاف صنوفاً من المودّة والإعجاب لا تعدّ ولا تحصى. يكفي أن تذكر أمام واحد منهم اسم هذا الرجل، لتكرّ سبحة المديح. «مدرسة برج البراجنة الرسميّة» في ضاحية بيروت الجنوبية، استعدّت هذا العام للاحتفاء به وقد بلغ سنّه القانونيّة... غير أنّ الأقدار «اللئيمة» حالت بينه وبين هذا الموعد. زملاؤه في المهنة التي يعرف من جرّب مشاقها، يتغنّون بجلده وصبره.


بقامته الفارعة، وزرقة عينيه الخرزيّتين... يطلّ ابن الدارين ـــ دار المعلّمين و«دار الجديد» ــ على كوكبة محبّيه السائلين عنه وهو يصارع مرضاً دقّ بابه يوم احتفاله هذا العام بعيد المعلّم. «تبلّغت خبر مرضي يوم عيد المعلّم! ألا تظنيّن أن القدر كائن عدمي لعوب أراد تذكيري بجلافة أخلاقيّاته؟» يقولها وابتسامة تهكميّة ذابلة ترتسم على شفتيه. إنها الأقدار إذاً! أقدار أكثر حناناً ورأفة رآها تقترن بمواهبه ومثابرته، فتصيّر قارئ الجمهوريّة الأوّل أستاذاً ومرجعاً في التدقيق والتحرير.
ولد محمود عسّاف في قرية بوداي البقاعية وسط مجتمع فلّاحي ورعوي سهر على تعليم أنجاله ما ملكت أيمانه في مدرسة قرآنيّة، ثمّ رسمية ابتدائيّة، وصولاً إلى تكميليّة في بعلبك تبعد عن القرية خمسة عشر كيلومتراً. ولم يكن من اليسير قطع هذه المسافة ثلجاً وحراً و«طفّاراً»، وهي كلمة محليّة تعني قطّاع الطرق. بعد نيله الشهادة التكميليّة، التحق الشابّ البقاعي الخجول بدار المعلّمين في بيروت. أمام شساعة بحر لم يكن قد شاهده من قبل، وأضواء مدينة ذات مقاه ودور عرض سينمائيّة واختلاط أدهشه، حلم الأستاذ اليانع بالرغد. كالديكة، يطلب من متخرجي دار المعلّمين أن يصيحوا أينما حلّوا، أي أن يدرّسوا كلّ موادّ البرنامج بلا تخصّص! وقد فعل هذا بنفسه حين عاد إلى مدرسة قريته الرسميّة لعامين، قبل أن ينتقل إلى «مدرسة بوارج الرسميّة»، ليعلِّم نهاراً، ويدرس مساءً لنيل إجازة في الأدب.
حين وقعت الحرب عام 1975وتجذّرت، انفرزت المناطق وتخندقت. صارت وزارة التربيّة الموكلة التعليم الرسمي ـــ الجامع مبدئياً بين المواطنين ـــ في موقع ضعيف؛ أي إنّها لم تعد قادرةً على فرض خياراتها الجغرافيّة على الأساتذة اللائذين بمناطقهم، حيث يستشعرون الأمان. على عكس الكثير من زملائه، اختار الذي مسّته المدينة بسحرها، أن لا يفارقها، وأن يشهد بأم عينه ذبول من بدت له فاتنةً وجذّابة أوّل ما رآها. ابن بوداي، ابن السهل الشاسع، آثر المدينة المفتوحة على البحر والهموم. في أتون نيرانها، عاش سنوات شبابه ونضجه: «الحرب كائن بغيض مفترس، ولو قيّض لي، لأرديته كي لا يذيقنا ما لا طاقة لنا على احتماله» يقول، ويضيف: «رأيت تلميذاً يقطع «ميليشياويٌ» أذنَه، كما أنني نجوت مصادفة عام 1982حين خطفت مرّة على حاجز لـ«القوات اللبنانيّة» وأنا متوجه إلى قريتي. وجدوا معي يومها دليلاً أنقذني. صورتي مع زميل لي، التي وجدوها في ألبوم عندما كانوا يفتّشون سيّارتي، أفرحت قلب المحقّق، الذي كان اسمه الحركي «الدوتشه». زميلي الذي شفع بي كان من أعزّ أصدقاء ذلك المقاتل! يا لها من أهليّة هذه الحروب! ويا لها من صدفة أمدّت بعمري ومنحتني جواز مرور ممهوراً بتوقيع معتِقلي، صديق زميلي. ما سهّل لاحقاً تنقّلاتي من منطقة إلى أخرى». يقول: «لن أنسى ما حييت أبشع فصول عام 1982 الموشوم في ذاكرتي. اجتاح الإسرائيليون لبنان، وفي شهر أيلول (سبتمبر) من تلك السنة، كتب لي أن أكون إلى جانب السفارة الكويتية في بيروت يوم وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا. رأيت الإسرائيليين كما رأيت الهاربين المفزوعين. وأنا أحاول أن أفرّ إلى مكان أكثر أمناً، انتابني هلعٌ ما زالت ارتداداته تساورني كلّما سمعت أو رأيت ما لم يكفّ البشر حولنا عن ارتكابه من مجازر». وسط الحرب، والعملة اللبنانيّة في الحضيض، اكتشف محمود عسّاف أنّ شهادة الماجستير التي نالها قبل سنوات في آداب اللغة العربيّة تتيح له إلى جانب التعليم أن يطرق أبواب مهن تنشأ على الكتابة وما يجاورها من أفلاك. عمل صحافيّاً، وكاتب خطب وقصائد مفعّلة. وحين جرّب نفسه في التدقيق، أي في قراءة النصوص بهدف اقتناص ما قد يعتريها من شوائب، راقته هذه الحرفة وصارت كواليس الكتب ملعبه الأثير: «التدقيق مهنة تغلّفها الحجب والأسرار» يقولها مندهشاً دهشة المتواضعين أن يكون العلّامة أحمد بيضون قد خصّه بالشكر في مطلع كتابه المرجعي «رياض الصلح في زمانه»: «عشت مدقّقاً منسياً كمئات من زملائي، إلى أن وصلت إلى «دار الجديد» … منذ ذلك الوقت، صرت أؤرّخ لحياتي المهنيّة قبل هذا التاريخ وبعده». يقول صائد الأخطاء: «قبل «دار الجديد» كنت قنّاص أخطاء بدائياً، لكن مع الدار، وأنا أعمل على كتبها النهضويّة، تبدّلت نظرتي إلى اللغة والقواميس وصناعة الكتب». يبشّ محترف القراءة وهو يتذكّر الساعات الممتعة التي قضاها مع الشيخ عبد الله العلايلي، فما من مدقّق في الجمهوريّة أتيح له هذا الشرف: «أقول لأنجالي: يكفيكم فخراً أنّ يكون أبوكم قد خدم نصوص هذا الشيخ اللبناني المستنير. ما أحوجنا إلى أقران له! ما أحوجنا إلى رجال ونساء يتفكّرون اللغة والدين كما فعل!».
يقرأ محمود عسّاف من دون ملل. يعاين الصفحات معاينة الطبيب للجسد، ولا يتأفف من إعادة قراءة الكتب قراءة تقنيّة مرّة تلو الأخرى. بجلد أيوبيّ، وبدقّة لا تخلو من أناقة ولطف، تصطفّ قواعد تحرير الكتب أمامه جاهزةً لخدمته. «للقواعد منطق يناسبني، منطق شطرنجي لاهٍ؛ ولو عادت بي الحياة إلى الخلف لاخترت التخصص في فرع علمي. الرياضيات والنحو أشقاء روح. أنت تعرفين أكثر من غيرك كم تحتاج العربيّة إلى محبّين ومصلحين ونهضويين وقواميس. أنت تعرفين كم يعاني الساهرون على ما تبقّى من هذه اللغة. أمس اتّصلت بي زميلة محرّرة تعمل في دار نشر مستحدثة في قطر لتسألني عن علامات الوقف... آه من علامات الوقف غير الدقيقة الاستعمال داخل كتبنا». يصمت محمود عسّاف. يبتسم، ثم يشرد وهو يتأمل مشتلاً من الورد نراه من شرفة «مستشفى جبل لبنان»، حيث يتلقّى الجرعة الثالثة من علاجه. «ستغلبه هذا اللعين»، نقول له، لنضم صوتنا إلى رفيقة دربه وأنجاله، والأقارب والمحبين الذين يتوجّهون بالدعاء نفسه: «هذا المرض... ستغلبه! ستغلبه من أجل محبّيك ومن أجل حفنة من المشاريع التي كتب عليك إنجازها من أجلنا. نحن الخطأة في لغة يقول مظفّرك (مظفر النواب) إنّها تشعل الأبجديات عشقاً». «مظفّري؟ هل من أخبار عن صحّته؟». نجيبه بالنفي. يذكّرنا أن نبحث له في القاموس عن فعل «أشكل عليه»، ونحضّر له مخطوطاً طور الإعداد ليقرأه. يرى التساؤل والحيرة في أعيننا، فيقول: «لا عليكم! القراءة مهنتي وشغفي، والمرض خطأ يعالجه العلماء والأطباء تماماً كما أعالج صفحاتي».




5 تواريخ

1948
الولادة في قرية بوداي البقاعيّة ــ لبنان

1967
التخرّج من دار المعلّمين ـ بيروت

1990
الالتحاق بـ«دار الجديد» محرراً ومدققاً

1997
التدقيق في الطبعة الجديدة من «مقدّمة لدرس لغة العرب» للشيخ عبد الله العلايلي، وفي سائر كتب الشيخ الصادرة لدى «دار الجديد»

2012
ينكبّ على تأليف كتاب يشكّل خلاصة سنوات من التدقيق والتحرير