في المرأةِ مساحةٌ رحبة طريّة، مساحة داخليّة متمادية، حافلة بالمفاجآت، مساحة لا وجود لمثلها لدى الرجل.

مائيّة الأحضان السريّة، رطوبة الأعماق وبشاشتها - هذا «الاستعداد» الكياني المخلوق، لا وجود له لدى الرجل.
لديه استعداد الصداقة، لكنّه من طينةٍ أخرى.
أرضُ الرجلِ جرداء.
أرض المرأة خضراء.

■ ■ ■


الشعور بالذنب نادراً ما يكون بنسبة الذنب، وغالباً ما ينحرف إلى التضخّم الخانق والمسبّب للانهيار.
في الحبّ خصوصاً.
مُذْنبُ الحبِّ لا يرحم نفسه ولا يصدّق أنّ الحبيب غفر له.
لا يريد هذا الغفران.
يريد العقاب. ولن يشفى.
الحقيقة؟
المكان الوحيد الذي «يحلو» فيه الشعور بالذنب هو الحبّ.
هنا كوكبه.
هنا مذبحه.
والشعور بالذنب الغرامي في محلّه خاصّة من جانب العاشق، لأنّه على الدوام إمّا مقصّر وإمّا مرتكب. وإنْ لم يكن هذا ولا ذاك فلا بأس أيضاً بشعور الذنب لأنّه يزيد الهالة حول المحبوب ويضيف تواضعاً إلى العاشق ورغبةً في «التعويض».

■ ■ ■


ـ أنا مَن أنا لأنّك أحببتني.
ـ أنتِ مَن أنتِ لأنّكِ أنتِ، ولأنّي أحببتكِ أنا مَن أنا.

■ ■ ■


الحبّ قليل. قبل أن يحصل يكون ضباباً. بعد أن يحصل ينتقل من خصب المطر إلى جفاف الرؤية.
ما نقرأه ونسمعه ونشاهده عن الحبّ هو في الأغلب عن المراحل السابقة للحبّ، عن الحلم والتعطّش والرغبة والحرمان. لحظة حصول الحبّ ينقطع الصوت. يتوقّف الكلام.
بعد حصول الحبّ، يبدأ «الباقي» بالنهوض من النوم.

■ ■ ■


الحبّ البِكر هو الأقوى، لكنّ الحبّ البكر ليس بالضرورة أوّل حبّ، بل قد يكون بعد تجارب عديدة. ما يؤرّخ للحبّ الأقوى هو بلوغه القمّة لا بزوغه التاريخي. غالباً ما تكون القمّة في ظلال الخريف، حين تتلاقى ذروة نضج الشعور بذروة الطاقة الحيويّة وذروة «تقدير» عنصر الوقت وهَمُّ إسعادِ الآخر.
لحظة نشوء الحبّ (وهو ما نفهم به اندماج فائض الطاقة وفائض «الاستعداد») تضاهي أجيالاً من الزمن. في الواقع، هي لحظةٌ تغادر الزمن، تحلّق من قمّة إلى هاوية ومن هاوية إلى قمّة، لا تبحث عن شيء لأنّها وجدت ذاتها.
قد يعرف المرء هذه اللحظة الخالدة مرّة واحدة في حياته وقد تتكرّر ولا يعرف أيّة منها ستكون الأقوى.
وقد يُخيّل إليه، إذا حَسُنَ حظّه، أنّ كلّ مرّة هي أوّل مرّة.

■ ■ ■


نميل إلى تخيُّل المحبوب ضحيّة اضطهاد أو ظلم ليزيدنا هذا الشعور بغضاً للعالم الخارجي وثورةً عليه. يحتاج العاشق إلى انتهاك محظور. أحياناً ينحصر جوهر العشق في الحواجز التي تعترضه.

■ ■ ■


يعتقد كلّ طرف أنّ الآخر يمتلك سحراً.
هذا التجاذب ليس مصدر الحبّ فحسب، بل هو منبع الشعر والموسيقى.
هل هو سحر حقّاً؟
الاعتقاد بوجود السحر هو نفسه السحر.
السحر هو الانسحار.

■ ■ ■


الحبّ الذي لا يقوم على أنقاض حبّ آخر يُحسّ في ذاته ثقباً، فراغاً وتخمة في وقتٍ واحد.
يحاول الحبّ الجديد تجاهل ضحاياه، يريد أن يستغرق في هنائه، يرى الدنيا حوله خيراً وطيبة، فلمَ يعكّرها صليبُ الضحيّة؟
لعلّ هذه من أفجع تناقضات الحبّ، وغالباً ما تنتهي بالإجهاز عليه.

■ ■ ■


حتّى لو ظللنا نُعجب بآخرين إلى جانب المعشوق، لن «نكون» مرتاحين حقّاً إلّا مع المعشوق.
الحبّ استحواذيّ مهما تغنّى بالحريّة.

■ ■ ■


الدونجوانيّة عجزٌ يتغطّى بالكثرة.
هذا لا يعني أن الكثرة نقيصة: في بعض مراحل العمر لا تُقاوَم دعوتها، وللجنسين معاً. تتلاشى أو تضعف جاذبيّة الكثرة مع حصول ضربةِ الحبّ الصاعقة. حينئذٍ تتحوّل المعشوقة إلى كلّ النساء، ويصبح المعشوق علّة تَجمُّل المرأة ليرغبها بلا هوادة.

■ ■ ■


يبدو جسد المرأةِ كأنّه عُهِد به إليها، كأنّه لم يكن جسدها منذ الطفولة، بل «أصبحَ» جسداً لها.
إنّه صناعةُ النظرةِ إليها.

■ ■ ■


الأحمقُ رجلٌ يحاول تذكير امرأةٍ بماضيهما بعدما قرّرت هجره. يريد تحنينها وهي قد أفلتت من دائرة التجاذب معه. كلّ حرفٍ يقوله الآن يُعمّق ضجرها منه.
قد يخطئ المرء حبَّه لسببٍ ما، لكنّه لا يخطئ هجره.

■ ■ ■


تقتل الروايات والمسرحيّات أبطال الغرام لأنّ الأدباء يعرفون أنّ الموت المأسوي أشرف لصورة الحبّ من موت الشعلة الغراميّة اعتياداً وسأماً.
ولأنّ الأدباء يفضّلون الدموع على خيبة الأمل.

■ ■ ■


قلب الحبّ هو الحاضر.
أكثر مدمنيه هم الهاربون من الماضي ونافدو الصبر على المستقبل. يحترقون كلّ هنيهة ليستمدّوا الوهج، يشتعلون ليستضيئوا.
لا أعتقد أنّ المتصوّفين، عشّاق الإله، هم من أتباع الماضي، ولا هم يضطرمون وَجْداً على رجاء التفاني بالمعشوق. الأرجح أنّهم يستحضرون الله في اللحظة، الله الهائل اللامحدود في لحظةٍ تستوعب السرمد.
المتصوّفون آباءٌ روحيّون لعشّاق الجسد البشري.

■ ■ ■


النيّةُ سلاح.
النيّة تُوجِّه القوى الظاهرة والخفيّة نحو الهدف.
لبعضهم نيّات تحفر حفراً، تقتلع أو تغرس، تشبق شبقاً.
النيّة سلاح.
إنّها الأخت الهجوميّة للحلم.

■ ■ ■


لماذا الحبّ دائم، ولو لم نسمع باسمه؟
لأنّ هناك دائماً مَن يُحِبّ.
وهناك دائماً مَن يُحِبّ لأنّ هناك دائماً مَن يُحَبّ.
مَن يريد أن يُحَبّ.

■ ■ ■


كانا يودّان لو يصبحان واحداً، جسداً وروحاً. لو يستعيدان ما تداولته حكايات الأقدمين عن الجنس الواحد، الأندروجين، وقد ضاع ذلك الكائن الممتلئ وانفصل نصفه عن نصفه وتاه كلٌّ منهما بحثاً عن الآخر.
ذلك هو الشوق. ذلك هو النَقْصُ الذي ندعوه الحبّ.
ويجد التائهُ ضالّته، يتحقّق الأمل... يتحقّق ثم يخيب، وإذا بمَن كان يأمل أن يكون حبيبه نصفه الضائع يجد نفسه بعد الاتحاد به أشدّ وحدةً...
وتبقى الخرافة خرافة. لا وحدة ولا نصفٌ ضائع.
الحبّ تيه، بحثٌ بلا قرار.
أهكذا سنظلّ محكومين: حبّنا شهوة محرومة من مشتهاها!؟
لا، لأنّ الحبّ يثمر ويكتمل في حالةٍ واحدة هي إتيانه بجمال.
جمال الإنجاب: إنجاب الحياة عبر التناسل، وإنجاب الروائع، شعراً وموسيقى ونحتاً وتصويراً وقصصاً وخيالات. إنجابُ الحياةِ توارثاً وإنجابُ الخالد في الزائل.
لقد أنجب الخالق الخليقة، ولم يرتوِ، فاستنجب الخليقة بدورها الخَلْقَ عندما نشأ المبدعون آلهةً بين البشر.
أثمر الحبّ البشريّ «الواصل» نسلاً وأثمر الحبّ البشريّ الجائعُ إلى ما يفوقه، أعمالاً مُطْلقة هي نسل القرائح.
... ولكن هل ارتوى الحبّ؟ هل شبع الفراغ؟ أم لا يزال يسعى في مجاهله؟
الحبّ البشريّ، هذا المسكين العظيم، الحبّ البشريّ لا يزال يسعى في مجاهله.
لا الثمار البشريّة أشبعته ولا الثمار المعنويّة، لا الحَفْر في الزمن اليومي ولا البصم على الزمن الدائم.
هناك ما هو أكثر.
الحبّ ليس بحاجةٍ إلى إعادة اختراع، بل إلى العثور عليه...