«يوم 5 أيلول (سبتمبر) هو يوم شهداء المسرح المصري، يوم شهداء حرية التعبير والإبداع (...) نقف دفاعاً عن دستور لكل المصريين، دستور يحمي الحق في التفكير والاعتقاد والإبداع والتعبير، وكل حقوق المصريين». هذه العبارات دوّنها «شاعر الفلاحين» زين العابدين فؤاد أخيراً على صفحته على الفايسبوك، بعدما احتفى أيضاً بذكرى ميلاد صديقه الشاعر النوبي زكي مراد «محامي الحريات الذي دافع عن حقنا في التعبير والإبداع والتنظيم، محامي الوطن والشعب الذي اغتيل على طريق الاسكندرية عام 1979». وقد رثاه زين العابدين بقصيدة «يرجع البلشون يطير» التي أعاد نشرها في هذه المناسبة. كأنّ هذا الرجل منذور للنضال. هكذا كانت حياته منذ يوم ولادته في 23 نيسان (أبريل) عام 1942، حيث «ولدتُ بعد وفاة أمي بيوم واحد، إذ سجل تاريخ وفاتها في 22 نيسان (أبريل)، وسجلت ولادتي في اليوم التالي». هو زين العابدين فؤاد عبد الوهاب، المولود في شبرا في القاهرة. في هذا الحي، عاش معظم حياته، لكنّه تنقل بين انبابة والجيزة بعد وفاة والده، عندما كان في العاشرة من عمره، ثم عاد إلى شبرا ليتعلم في «مدرسة الإبراهيمية» في «غاردن سيتي». ومنها خرج إلى كلية الهندسة في جامعة القاهرة، قبل أن ينتقل إلى قسم الفلسفة في كلية الآداب (1968) ليتخرج منها عام 1973 ويلتحق بالتجنيد الإجباري في الجيش المصري.
منذ طفولته الباكرة، شغف بالمطالعة والغناء الشعبي. في سن العاشرة، بُهر بأمير الشعراء أحمد شوقي، فكتب أولى قصائده في مجلة «الرسالة» في مصر (1952) «بدأتُ بقافية صعبة. كتبتُ: أو تسألينَ ما بيَ، أو تسألينَ عن حاليَ، أو تسألين ما أريد؟ وأنت أحلى أمنية؟ هذه القصيدة نشرت في العدد ذاته الذي نشرت فيه قصيدة لشاعر جديد في حينه ليس سوى صلاح عبد الصبور». وبالمراسلة، صار ينشر قصائده بالفصحى في «الأديب» و«الآداب» في لبنان من دون أن يعرف أحد حقيقة هذا الشاعر الفتى. «في سن العشرين، التقيت الناقد محمد فوزي، الذي نشر أولى قصائدي، وذكّره اسمي بصاحب تلك القصيدة، وعندما علم أنني أنا ذاته، رد: لو كنت أعلم حينها بعمرك، لكنت أرسلت إليك لوحاً من الشوكولا». في هذا الوقت، كان صاحب «الفلاحين» قد تحول إلى القصيدة العامية «وخصوصاً بعد ظهور نماذج رائعة كفؤاد حداد وصلاح جاهين، إضافة إلى الأسباب السياسية التي جعلتني أتّجه إلى العامية، ونشرت قصائدي الأولى بين 1961 و1962 ومنها قصيدة حب».
كان يُفترض أن ينشر زين العابدين فؤاد ديوانه الأول «وش مصر» عام 1964، قدمه إلى الرقابة في الوقت الذي نشر فيه سيد حجاب «صياد وغنية» و محمد الأبنودي «الأرض والميّة»، لكنّ الديوان رُفض بالكامل، وظل صاحبه يتقدم به عاماً تلو آخر، رغم أنّ قصائد الديوان كانت تُنشر في الصحف والمجلات وتذاع في الراديو والندوات، حتى سمح له بنشره، فصدر عام 1972 «وقد بعنا الديوان قبل طباعته ببونات بلغ سعر البون 15 قرشاً، وفقدت الطبعة الأولى بالكامل». في هذا الوقت كان صاحب الديوان خلف القضبان بسبب مشاركته في قيادة الحركة الطالبية في 1968 ثم في عام 1972. في عام 1973 وبعد اندلاع حرب أكتوبر، نشر المجنّد زين العابدين قصيدة «والحرب لسه بأول السكّه» (غناها الشيخ إمام وعدلي فخري) في صحيفة «الجمهورية»، ما جعل الضابط المسؤول يرتّب له أمسية شعرية إلى جانب صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي في مقرّ الاتحاد الاشتراكي، ويجلبه من الجبهة إلى القاهرة بسيارة خاصة. كانت جيهان السادات تحضر الأمسية. حالما وصل زين العابدين إلى مقطع «والحرب لسه في أول السكه، إتفجري يا مصر، إتفجري بالحرب ينفلق النهار، إتفجري بالحرب ضد الجوع والقهر ضد التتار» هبّت السيدة الأولى تصرخ «مصر ما فيهاش جوع» وخرجت غاضبة من القاعة. إثر ذلك، أصدر أنور السادات قراراً بعدم نشر قصائد زين العابدين فؤاد. بعدها، لم يصدر الشاعر أي ديوان حتى عام 1978 حين صدر ديوان «الحلم في السجن» بالعامية المصرية، عن دار «ابن خلدون» في بيروت. كان العمل عبارة عن مجموعة قصائد مهربة من السجن، حيث كان زين العابدين قابعاً بتهمة «كتابة قصائد تحرّض على النظام». كان يساق كل شهر إلى المحكمة، فيصدر قرار بالإفراج عنه، ثم يواجه بقرار اعتراض من رئيس الجمهورية. يوم ذهب أنور السادات إلى توقيع معاهدة «كامب ديفيد» عام 1979، جرت اعتقالات تعسفية لعدد كبير من مناهضي النظام «في 20 آذار (مارس) ذهب السادات لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، سافرت زوجتي الأديبة الفلسطينية باسمة مرتضى حلاوة إلى أميركا لإجراء عملية في القلب، وكنت أنا ممنوعاً من السفر. في صبيحة اليوم عينه، اعتقلت من بيتي أنا وصديقي الراحل محمود حنفي، الذي أتى لتوديع زوجتي. نقلنا إلى سجن القلعة، وهو أكبر مكان للتعذيب، فأضربت عن الطعام مطالباً بنقلي. وفي 30 آذار (مارس)، نقلونا إلى سجن طرّة. وقبل أن أوقف الإضراب، أتى صديقي المحامي الراحل عبد الله الزغبي لزيارتي، وكان يريد توقيعي على معاملات نقل جثة زوجتي التي توفيت قبل إجراء العملية».
في آب (أغسطس) 1981، صدر قرار يسمح لصاحب «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر؟» بالسفر، فغادر فوراً إلى الأردن، حيث أقيمت له أمسية شعرية، فدمشق ثم لبنان، الذي وصله في الأول من أيلول (سبتمبر). هنا، استقبل بحفاوة وبإقامة أمسيات شعرية له. بعد خمسة أيام، رنّ جرس الهاتف عند الخامسة فجراً، «وكان ياسر عرفات على الخط، طلب رؤيتي فوراً فذهبت. هناك، التقيت محمود درويش، ومعين بسيسو وحشداً من الكتّاب الفلسطينيين المقيمين في بيروت. طلب منّي أبو عمار البقاء في بيروت، وعندما سألته عن السبب، سلّمني نسخة من صحيفة «الأهرام»، وفيها خبر توقيف محمد حسنين هيكل، وفؤاد سراج الدين والبابا شنوده، ونحو 1500 معتقل. في الصفحة الأولى من الجريدة، قرأت اسمي مع سبعة معارضين مصريين كانوا خارج مصر من ضمن المعتقلين، فقررت البقاء في بيروت».في الرابع من حزيران عام 1982، نظم زين العابدين فؤاد مع سعدي يوسف وممدوح عدوان أمسية وداعية في بيروت قبل أن يغادر إلى مصر. في هذا اليوم، بدأ الهجوم الإسرائيلي الجوي على المدينة الرياضية. وفي اليوم التالي بدأ العدوان. يومها أطلق جملته الشهيرة «مجنون مين اللي يلاقي حرب ويسيبها ويهرب؟». بقي في بيروت وصار ينشر قصائده في «السفير» و«النداء» و«الحياة»... نزل إلى الشارع وإلى مواقع المقاتلين مع عدلي فخري «صرنا كل يوم نؤلف أغنية جديدة للمقاومة، نذيعها في أكثر من 50 مكاناً. كانت تجربة غنية وفريدة، أعدّت عنها محطة «بي. بي. سي» تقريراً، عرفت من خلاله عائلتي أنني ما زلتُ في بيروت. بعدها، أصدر أصدقائي في باريس أجمل دواويني «أغاني من بيروت» (1982)». في عام 1960، تعرّف صاحب «يا شمس ياللي هالة» على الشيخ إمام عيسى (الذي لحن وغنى هذه القصيدة) أيام كان الشيخ الضرير يؤدي أغنيات سيد درويش والشيخ زكريا أحمد. «لم أكتب له أغنية خاصّة. لحّن لي نحو عشرين قصيدة اختارها هو بنفسه. القصيدة الوحيدة التي كتبتها من أجل أن يغنيها الشيخ إمام كانت «مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر؟» المعروفة بأغنية «تجمّعوا العشاق».يقول شاعرنا عن نفسه «أنا شخص مجنون، لأنّني لم أفقد لحظة إيماني بمصر. أنا موجود في الشارع، في ميدان التحرير في كل اللحظات والتظاهرات. أنا بكيت يوم سمعت الناس يهتفون بأغنية «تجمّعوا العشاق» التي صارت كأنها نشيد الثورة».





5 تواريخ

1942
الولادة في حي شبرا ــ القاهرة

1952
نشر قصيدته الأولى في مجلة «الرسالة» في مصر

1972
نشر ديوانه الأول «وش مصر» بعد 7 سنوات من تقديمه إلى الرقابة وكان لا يزال في السجن

1982
صدر ديوانه «أغاني من بيروت» التي ألفها خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وقدمها مع عدلي فخري في الشارع وفي مواقع المقاتلين

2012
يناضل من أجل «دستور لكل المصريين» ويجهز لطباعة أعماله الشعرية الكاملة