حالة الترحال التي عاشها، عندما كان صغيراً، انسحبت على أنواع الفنون الكثيرة التي دخلها. تارةً، تراه الممثل المطل في دور بسيط ليسجّل حضوراً لافتاً، وطوراً تشاهده لاعباً رئيسياً يدرك كيف يُدخل الدورَ إلى فكر المشاهد ليسجل حضوراً، ربما لن يجيده إلا بطل «حلم رجل مضحك». لا يغيب حسام الصباح طويلاً عن الكواليس أيضاً. ينسحب إلى وراء الكاميرا ليخرج عرضاً هنا ومسرحيةً هناك. وتحت قبة السماء، تراهُ على بيدر مدينة النبطية ممسرحاً «موقعة عاشوراء» في قالب يخرجها من السائد الموروث، مستنداً إلى خبرة في الأداء والنُّطق، فيصل العمل في قالب ثقافي وحضاري راقٍ إلى المشاهد والمستمع.


في حي السراي، أقدم أحياء مدينة النبطية الجنوبية، ولد حسام جواد الصبّاح في عام 1948. والده كان تاجر جِمال بين جنوب لبنان وشماله وسوريا. ولأنه كان يكثر من الترحال نحو بيروت والشمال، آتياً من الجنوب، فقد لقّب بـ«القبلاوي». في كنفه، عاش حسام الفتى حيّزاً من هذا الترحال. من «مدرسة أحمد جابر الابتدائية»، انتقل إلى «مدرسة سميح شاهين المتوسطة» حيث نال شهادة «البريفيه» سنة 1966، والتحق في العام التالي بدار المعلمين في النبطية. في إحدى فرق كشاف التربية الوطنية، بدأ يكتشف ميله إلى التمثيل والفن، كان ذلك عام 1961. تعزّزت هذه الموهبة بعد انتسابه إلى دار المعلمين، حيث كانت تقدَّم أعمال فنية في نهاية كل عام دراسي. وبين «نادي الشقيف» في النبطية و«اتحاد الشباب الديموقراطي»، صار يشارك في أعمال احترافية، ولعب دوراً مميزاً في مسرحية «الغربال» التي قدمت في النبطية عام 1970. وفي العام التالي، شارك في مسرحية «عتمة الليل» للشاعر الراحل طعان أسعد، وقدمت فيها أغنيات من ألحان إيلي شويري وعازار حبيب.
حمله التهجير بسبب القصف الإسرائيلي الذي كانت تتعرض له النبطية إلى بيروت عام 1976. هناك، التحق معلّماً في إحدى مدارسها، وطالباً في «معهد الفنون الجميلة»، حيث تعرف إلى روجيه عساف ويعقوب الشدراوي. مع رئيف كرم ومشهور مصطفى ومهدي زعيتر ووسام خالد، ألّف فرقة «السندباد» التي قدمت «دشّر قمرنا يا حوت» (1977) ثم «رحلة السندباد الثامنة» في العام التالي. مع الشدراوي، شارك إلى جانب رفيق علي أحمد وحنان الحاج علي وزياد أبو عبسي في «جبران والقاعدة» بدور خليل الكافر.
بين عامي 1982 و1983، ظهر حسام الصبّاح في أكثر من فيلم لبناني، منها: «بيروت اللقاء» لبرهان علوية، و«الانفجار» لرفيق حجار، و«المجازف» ليوسف شرف الدين، و«المخطوف» من تأليف إبراهيم مرعشلي وإخراج فؤاد جوجو. وشارك سنة 1992 في فيلم «ناجي العلي» لعاطف الطيّب. ظهر حسام الصباح في معظم هذه الأفلام بدور الشرير «حتى إنّ أحد كبار مدينة النبطية التقى مرة بشقيقي، فطلب إليه التدخل لردعي مما أنا فيه من سكر ومجون. واحتاج شقيقي إلى وقت طويل كي يقنعه بأنّ ما يراه ليس سوى تمثيل بتمثيل» يقول. أما في التلفزيون، فقد أطل من خلال «قناديل شعبية» لرشيد علامة و«قريش» لجورج غياض الذي صوِّر في «مدينة الفارس الذهبي للإنتاج» في سوريا.
بعد مسرحية «الطرطور» ليعقوب الشدراوي (1983) و«الشهيد ابن البلد» (1984) للمخرج نقولا دانيال وبطولة أحمد الزين، انتقل حسام الصباح إلى الإخراج، وكانت باكورته مسرحية «الدبّور» (1985) من تأليف رفيق نصر الله وبطولة أحمد الزين، هذه المسرحية عرضت في سينما «استرال» في الحمراء لسنة ونصف سنة. بعدها، توالت الأعمال مع أحمد الزين. كتب وأخرج نصّ مسرحية «زمن الطرشان» (1988) و«رقصة المساء» عن كتاب «المرمعون» للأديب محمد ماضي، ومسرحية «مهر العرب»، وقد قدمت جميع هذه الأعمال في سوريا وغيرها من البلدان العربية
والأفريقية.
في عام 2008، عاد حسام الصباح ممثلاً على الخشبة. لعب بطولة مسرحية «حلم رجل مضحك» لطلال درجاني (عن نص دستويفسكي بالعنوان نفسه) التي عرضت في «المركز الثقافي الروسي» في بيروت و«مهرجان دمشق للفنون المسرحية الرابع عشر». في التلفزيون، عاد حسام الصباح ليجسد شخصيات تشبهه، فهو ابن هذه الأرض التي قاومت الاحتلال الإسرائيلي. أما المشاهد التي ستظهر من خلال مسلسلي «زمن الأوغاد» (2003) من إخراج يوسف شرف الدين، فهي ليست غريبة عنه، «لقد عايشت ما يشبهها في مسقط رأسي هنا في النبطية وفي العديد من قرى الجوار التي عانت ما عانته من الاحتلال الإسرائيلي. لقد كانت قصص هذه القرى بطولية في مقاومة هذا الاحتلال وعملائه. لذلك كنت أمثل نفسي». وفي مسلسل «نورا» للمخرج السوري مأمون البني (2011) ظهر حسام الصباح في دور جمال باشا الجزار، وقد أدى أكثر مشاهده باللهجة التركية. ثم شارك في فيلم «خلّة وردة» (2011) للمخرج اللبناني عادل سرحان.
لغاية اليوم، وعلى رغم مئات الساعات من إعارة صوته للدوبلاج في مسلسلات مكسيكية وكرتونية عديدة، يبقى حسام الصبّاح ضائعاً «بين كوني مخرجاً أو ممثلاً، أو أنني لا أزال في مرحلة التجريب. لا أعرف إلى أين قد يصل بي الأمر. أنا متأكد بأنّ الممثل الذي يقبع داخلي هو أقوى شيء في شخصيتي، وخصوصاً كممثل مسرحي، إذ أجد نفسي قادراً على التكيف مع مختلف الحالات التي يمكن أن يعبّر بها الممثل. أما عملي في الإخراج، فقد ساعدني على إدارة الممثل أكثر من السينوغرافيا والديكور والإضاءة، وأنا أعتبر أنّ الممثل الحقيقي، ولو كان عارياً من جميع أدواته الخارجية، تبقى لديه القدرة على إيصال إحساسه وموقفه إلى الجمهور».
يقلقه ما يجري من مناكفات سياسية في لبنان هذه الأيام، «بيد أنّ هذا يحرضني على الكتابة. ما عبر به لبنان منذ عام 1975، أي تاريخ اندلاع الحرب الأهلية حتى اليوم، لم ينل حقه في الفنون المسرحية والمسلسلات التلفزيونية. يجب على جيلنا أن يؤرخ لهذه الحقبة، وإلا فإننا فشلنا فشلاً ذريعاً. لذلك أعدّ الكثير من النصوص التي تتناول هذه المرحلة وتضيء عليها». أما ما يجري في سوريا «فهو يشبّهه إلى حدّ كبير بحكاية الرجل المضحك في رواية دستويفسكي الذي أتى ليغيّر الشعب، فنقل إليه عدواه من الشرّ بعدما كان طيباً عريقاً. يريدون القضاء على هذا الكيان الجميل الذي يتمتع بثقافة عالية ومستوى فني متقدم».
حينما أتى صديقنا إلى التمثيل، كان مدفوعاً بأحلام الأضواء والشهرة. لكنّها صارت اليوم «مضحكة» بعدما أضحى الممثل في هذا البلد «يبحث عن مصادر أخرى يمكنها أن تؤمن عيشاً كريماً له ولعائلته، وسط موجة الفنّ الهابط الذي يديره الإعلان الشرس الذي يتوجّه نحو الغناء والرقص على حساب موهبة التمثيل».





5 تواريخ

1948
الولادة في مدينة النبطية جنوب لبنان

1981
قدمه يعقوب الشدراوي بدور خليل الكافر في مسرحية «جبران والقاعدة»، ثم ظهر في العديد من الأفلام اللبنانية، منها «بيروت اللقاء» و«الانفجار»

1985
أخرج مسرحية «الدبّور» ثم كتب وأخرج «زمن الطرشان» و«رقصة المساء»

2008
أدى دور البطولة في مسرحية «حلم رجل مضحك» لطلال درجاني عن نص دستويفسكي

2012
يعدّ نصوصاً مسرحية تضيء
على مرحلة الحرب الأهلية