«دمشق الحديثة تغتصب دمشق القديمة» بهذه العبارة يختزل المعمار السوري حكمت شطّا المصير الذي آلت إليه المدينة العريقة تحت وطأة التلوث البصري والإهمال الحكومي المتراكم للنسيج العمراني، وجشع رأس المال في انتهاك روح الحجارة على هيئة مطاعم ومقاهٍ وحانات. وإذا بمدينة المآذن تتحوّل إلى مدينة المداخن. منذ عودته من فرنسا في منتصف الثمانينيات، منهياً دراسته في «المدرسة الوطنية العليا للهندسة المعمارية في غرونوبل»، أسهم هذا المعمار في ترميم مجموعة من البيوت القديمة، وتصميم مشاريع عمرانية تتطلع إلى حداثة تستمد عناصرها من البيئة المحليّة. هكذا أسس وأدار أول غاليري خاصة في دمشق باسم «أورنينا للفن المعاصر» التي استقطبت أبرز الأسماء التشكيلية السورية حينذاك، مثل فاتح المدرس، ونصير شورى، ومحمود حماد.


لم تستمر التجربة أكثر من عامين «ما حصل هو أنني كنت أغرّد خارج السرب، وأنّ أفكاري بخصوص تفعيل المناخ الثقافي للمدينة عبر فضاء مستقل، كانت مجرد وهم، إذ اصطدمت بجشع بعض الفنانين، وتفكيرهم في الربح فقط». هذه الخيبة ستتبعها خيبات متلاحقة، ليس آخرها تصميم مخططات متحف الفن الحديث بتكليف من محافظة دمشق: «أغرتني فكرة تحويل مصنع مهجور لألبسة الجيش إلى متحف، لكنني ما أن أنهيت وضع التصاميم الأولية للمشروع، حتى تملّصت المحافظة من وعودها، ووجدت نفسي أعزل حيال ابتزاز موظفين عتاة في تصدير الفشل». فوضى الفساد التي طاولت كل مفاصل الحياة في البلاد، أوصلته إلى قناعة أكيدة بأنّ «الفشل الشخصي هو ترجيع للفشل العمومي». ويضيف «ما أراه وألمسه كل يوم، هو حالة احتضار وعفن وتكلّس، كأننا إزاء مريض لا أمل من شفائه، فأنا على يقين بأن البلاد ذاهبة إلى هاوية».
في ردّ فعل مضاد على خيباته في تحقيق أحلامه العمرانية، أطلق اسم «بطاطا للعمارة» على مؤسسته الخاصة. اختار محمصة للمكسرات في حيّ باب توما، وقام بترميمها لتكون مكاناً لتصاميمه المستقبلية: «كل ما يحدث هنا هو بيع بطاطا»، مشيراً إلى التشوّه العمراني الذي أصاب هذا الحي الذي شهد ولادته في خمسينيات القرن المنصرم: «لقد استُبيح هذا الحيّ، وذهبت ذاكرته مع ترحيل الأنقاض». ويضيف منفعلاً «لست ضد تحويل بعض البيوت القديمة إلى مطاعم. أما أن تتحوّل المدينة القديمة كلها إلى مدينة للأكل، فهذا يدخل في باب الهمجية، واستباحة في وضح النهار للتراث المعماري وتسليعه بصفاقة لا تُصدّق».
في منتصف التسعينيات، هجر حكمت شطا شقته الحديثة في دمشق، وانتقل إلى المدينة القديمة، في هجرة معاكسة. البيت الذي يعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر تحوّل بعد ترميمه إلى تحفة معمارية، وسط حارة «طالع الفضة». لكن غزو المطاعم والمقاهي إلى الحارة، خلخل نسيجها السكاني المتعدد «البيوت التي كانت تضخ الأوكسجين وروائح الياسمين، أصبحت تضخ ثاني أوكسيد الكربون ورائحة التنباك المعسل» يقول. هذه المرّة يشير إلى التوربينات والشفاطات وأجهزة الإنارة بوصفها «تلوّثاً بصرياً وسمعياً ورئوياً لا يحتمل». لا يتردد حكمت شطا في وصف دمشق بأنّها سليلة الكوارث خلال تاريخها الطويل، منذ اجتياح تيمورلنك المدينة قبل قرون، مروراً بالهزّات الأرضية التي أصابتها، وصولاً إلى قصف المدافع الفرنسية لأجمل بيوتها خلال فترة الاحتلال، ومخطط المهندس الفرنسي ميشال ايكوشار للمدينة القديمة، وانتهاء بما تعيشه اليوم من أمراض عمرانية، من دون اهتمام بحماية تراث المدينة «أنا على يقين بأن دمشق القديمة لن تستعيد عافيتها إلا بمعجزة» يقول. في جنته الصغيرة، اكتشف لغز أسلافه لجهة استثمار الظل والنور وسحر الفضاء الداخلي «أهمية عمارة البيت الدمشقي تتمثل في أرض دياره، كونها تحتوي كل مكونات الحديقة الداخلية (نبات وتراب وماء وهواء)، وكأنها استكمال للخضرة الخارجية في غوطتها المحيطة بسور المدينة، قبل أن تتحوّل مدينة العطور والطيور إلى مدينة التصحّر والغبار». ويلفت إلى أن ما أنجزه الدمشقيون قبل مئات السنين، يجد اليوم ما يشبهه في أفكار المعماريين الأوروبيين، في ما يسمى «العمارة الخضراء»، تلك التي تجمع ما بين التكنولوجيا المتقدمة والعمارة البيئية. العطالة القسرية التي يعيشها حكمت شطا على صعيد تخصّصه في العمارة، أيقظت لديه اهتمامات أخرى، أبرزها تصميم السينوغرافيا لأعمال تشكيلية ومسرحية. أنجز أولاً، سينوغرافيا معرض التشكيلي المعروف مروان قصاب باشي في فضاء «خان أسعد باشا»، وسينوغرافيا العرض المسرحي «يحدث غداً» للمخرج أسامة غنم، في المحمصة التي أرادها مكاناً ثقافياً بديلاً، بعد فشل تجربته في ترميم كراج قديم في ساحة النجمة في دمشق، واستثماره بما هو فضاء ثقافي مستقل.
التجربة المعاشة عن كثب في نسيج المدينة القديمة، حرّرته من «دوغما الحداثة» كما يقول. هكذا اكتشف أخيراً أهمية العمارة الإسلامية، وخصوصيتها، ولكن بإضافة لمسة عصرية على المكان، من دون أن يتخلى عن روح هذه العمارة لجهة الضوء والهواء والنّفَس «لا تعنيني التكنولوجيا في التصميم بقدر تطلّعي إلى بصمة شرقية تعبّر عن شفافية هذه العمارة التي تتعاضد في نسيجها البصمة البيزنطية والزخرفة الإسلامية». يتوقف قليلاً، ونحن نعبر فناء الجامع الأموي، قبل أن يقول «ينتابني إحساس بأن هندسة الجامع الأموي مثلاً، تستفيد من خصائص الكاتدرائية، وهذه الثنائية تلقي بظلالها على معالم أثرية عدّة، وكأنها انعكاس لنمط الحياة في هذه المدينة التي تشرّبت تاريخياً ثقافات مختلفة». يذكر هنا أهمية تجربة معماري عبقري مثل حسن فتحي في بناء عمارة تراثية تقوم على مكوّنات الثقافة المحليّة، من دون أن تخلّ بالنسيج المديني للمكان، من موقع مضاد لتجربة معمارية مثل زها حديد التي ذهبت إلى وضع أبجدية عمارة المستقبل، وهو أمر مهم في سياقه الأوروبي، وليس الشرقي.
وفي المقابل، يلفت إلى مأزق يعيشه المعماري السوري بقوله «أحمّل سبب القبح البصري وانتشار العشوائيات في محيط المدن إلى غياب الضمير المهني، وغياب ثقافة العمارة، وفشل الدولة في تحقيق مشاريع التنمية، وإذا بالبلاد كلها تقع تحت وطأة بازار عمومي، أطاح حسّ المواطنة، طالما أن المكان صار أشبه بالقفص البشري».




5 تواريخ

1954
الولادة في حي باب توما في دمشق القديمة

1982
الدراسة في «المدرسة العليا للهندسة المعمارية في غرونوبل»، فرنسا

1986
أسس غاليري «أورنينا» للفن المعاصر في دمشق

2005
تصميم وتنفيذ سينوغرافيا معرض مروان قصاب باشي في «خان أسعد باشا» الدمشقي

2012
أنهى مخطط مشروع «كورنيش دمشق» على جبل قاسيون من أجل سوريا الغد