يرتبط أحمد قبيسي بأمكنته بقوّة. لا يغادر «صومعته» في منطقة فردان في بيروت إلّا في حال السفر، أو عندما تضيق به المدينة. هكذا يحزم خبير التجميل أمتعته ويتجه إلى «مملكته» في قرية أنصار في قضاء النبطيّة (جنوب لبنان). هي بلدته التي عرفها متأخّراً، لأن والده علي ترك الجنوب عندما كان في الـ 12 من عمره، وانتقلوا إلى العاصمة، هناك كان يملك مطعماً في تلة الخيّاط. توفي والده منذ سنة تقريباً. ابن الجنوب، ولد في تلّة الخيّاط في بيروت، وتعلّق بالجنوب قبل أن يتعرف إليه، «لأنني أحب الهدوء وأعشق الأرض. لذا أحببت قريتي، علماً أن أهلي لا يملكون منزلاً فيها، ولم أزرها إلا عندما بلغتُ الثلاثين». هكذا، قرر الشاب أن يبني بيتاً له، ليعزل نفسه فيه «كي أستطيع أن أجدّد ذاتي وأفكاري». هناك، قرّر أن يرسم «سيناريو» يختصر مسيرة حياته بحلوها ومرّها، ضمن كتاب بعنوان «وتكلّمت» سيصدر قريباً. في هذا الكتاب، يختصر رحلته منذ الطفولة، وصولاً إلى النجاح، ويكشف أسرار خلافاته مع بعض النجمات.
لعل حياة قبيسي تصلح لأن تتحول إلى عمل دراميّ يوثق سيرة مليئة بالمحطات المفصليّة، منذ الطفولة الصعبة، والتحديات التي واجهها بعد انفصال والديه قبل بلوغه العاشرة، ثم التحاقه بمدرسة داخليّة. يرى أنّ «حياته حتى بلوغه سن العاشرة كانت شبيهة بأي طفولة، لكنّ طلاق والديّ وما تبعه من أمور، رسما لي حياة مختلفة، بل هزّاني في مكان ما، وأجبراني على الاتكال على نفسي». يرى قبيسي أنّ هذه العوامل هي التي جعلته يتمتع بشخصية قويّة، «لأن كل ما حدث في الماضي هو السبب في ما أنا عليه اليوم، ولست حاقداً على أحد ممن اعترض طريقي».
خمس سنوات، ظل الشاب خلالها بعيداً عن والديه، «هذه السنوات قد تؤدي بالولد المراهق إلى التشرد والضياع، لكنها في الواقع صنعت مني إنساناً صالحاً، يعتمد على نفسه ولا يطلب قرشاً من أحد». يبدي سعادته بالمرحلة التي قضاها في مدرسة «الرسل» في جونيه في سنّ الـ 15 (1989): «تعلّمت كثيراً، وكانت مرحلة حلوة، جعلتني أرى الوجه الآخر للبنان. كنت الولد المسلم الوحيد في مدرسة مسيحية لاهوتيّة. هناك، اختبرت حياة ثانية جعلتني أكثر رقياً في التعامل مع الآخرين».
لكن كيف بدأت تتكوّن شخصية الفنان؟ يجيب قبيسي «الحرمان الذي عانيته بعد انفصال الأب والأم، هو جزء من الحكاية. وأعتقد أن الإنسان الذي يعاني طفولة بائسة أو الحرمان يصير فناناً». في العطلة الصيفيّة، كان يعمل في دار نشر حيناً، وفي مطبعة أحياناً. وعند دخوله الجامعة لدراسة العلوم الاجتماعيّة، كان يعمل في الوقت نفسه أمين مستودع. لم يتمكن من إكمال دراسته، لأن التحصيل الجامعي سيأخذ منه وقتاً أراد استثماره في العمل، وتأمين مدخول يتيح له أن يعيش حياة كريمة. لذا اكتفى بالدراسة في المعاهد وبتعلم اللغات، كما درس اللغة العربيّة والإلقاء على يد الراحل عمر الزين. يومها، لم يكن أحمد قبيسي اسماً معروفاً، لكن تلك المرحلة هي التي عبّدت الطريق أمامه ليتحوّل إلى أحد أبرز الأسماء في عالم الماكياج. أول الغيث كان برنامجاً على إذاعة «صوت الفرح» منتصف التسعينيات: «كنت أقدم مقتطفات من نصائح وتوجيهات، تشبه ما دونته في كتابي الأخير «حياة راقية». وفي عام 1998، دخل «معهد شارمران للتجميل» في بيروت بطلب من صديق يدعى أحمد الشامي كان يعمل في «أم. بي. سي» لندن: «قال لي إنّهم يحتاجون إلى أشخاص يعملون في مجال الماكياج». استمر في «معهد شارمران» شهراً واحداً فقط، لكنه كان مليئاً بالمفاجآت. يشرح أنّ «أساتذتي في المعهد انبهروا بي، وكذلك صاحبة المعهد شاهيناز دفوني، انبهر الجميع بأسلوبي في خلط الألوان ومزجها، وتوقعت لي شاهيناز مستقبلاً مميزاً في هذا المجال». يتكلم قبيسي كأنه يقرأ صفحات في كتاب مفتوح أمامه. يتنقل بين محطات حياته، يستعرض الإنجازات والإخفاقات، يتوقف عند المعارك التي خاضها وكيفيّة مواجهته إياها، يتأثّر ويتابع الكلام. يعود إلى عام 2001، يوم حاول دخول تلفزيون «المستقبل» يقول: «لم يحبوني حين خضعت لامتحان عندهم»، لكن الصورة ستختلف بعد بضع سنوات، بعدما مرّت تحت يده وجوه حريرية عدة، أبرزها نازك وبهية والراحل رفيق.
بداية العمل الفعلي في التلفزيون كان عام 1998 في «الشبكة الوطنية للإرسال» nbn. اشتغل هناك اقل من سنة، يوم كانت المحطة تحمل الصبغة الإخباريّة. وسرعان ما سيبتسم الحظ للشاب الموهوب، يقول: «تعرفت في تلك السنة إلى جوزيف مكرزل، الذي فتح لي الطريق لأعمل مع السيدة (فيروز)، وعرّفني إلى رفيق الحريري، ثم تعرفت إلى كل السياسيين».
عندما تسأله عن قرار احتراف هذه المهنة، يجيب بصراحة «لم يكن قراراً، بل مجرد مهنة تؤمن لي مكسباً مادياً، هي الصدفة التي أخذتني إلى المجال، ونقشت». لا شك في أنّ الشاب عرف كيف يتميّز ويخلق الإبهار في عمله. يقول إنّه «لم يكن طموحي أن أحصل على معاشي في نهاية الشهر، ولو كان هذا طموحي لاستمررتُ في العمل في التلفزيون، حيث كنت أمضي 13 ساعة يوميّاً، فكان التلفزيون هدفاً وخطة لتطوير عملي، حتى كانت الصدفة الأهمّ حين تعرّفت إلى المصوّرين وصرت أشتغل غلافات للمجلات». في سنة واحدة، نفّذ 60 غلافاً، وعمل خلالها مع مجموعة من أهل الفن في لبنان والعالم العربي، وعلى رأسهم فيروز وماجدة الرومي ونجوى كرم، التي استمر معها ما يقارب أربع سنوات، ووضع لها الماكياج في أربعة كليبات، وسافرا معاً في جولات إلى أميركا وتونس والجزائر وليبيا، لكن شاءت الظروف أن ينتهي العمل مع نجوى بخلاف وقطيعة. يعترف بأنه يخاف من العمر حيناً، وأحياناً يقول إنّه ينتظر أن يصبح فوق الأربعين «لأن العمر صار صاحباً وحبيباً». رغم الأحداث التي تعصف بسوريا منذ أكثر من سنة ونصف سنة، ما زال يرى أنّ «أسعد حدث في حياته هو عندما ظهر على تلفزيون «الدنيا»، وأدلى بموقفه، ثم يأتي فقدان الوالد منذ سنة ونيّف بوصفه أكثر حدث أثّر في حياتي».
ما يميز أحمد قبيسي عن زملائه من أبناء المهنة هو إصراره على أن يرتبط اسمه ليس بالريشة فقط، بل بالقلم أيضاً. يشرح أنّ «الكاتب هو شهادتي، الكتاب أعطاني قوة معنوية. منذ تسع سنوات بدأت هذا المجال، ووضعت خمسة كتب عن الثقافة الجمالية، وكان السادس عن التعريف بالحياة، وسأطلق السابع «وتكلمت» مطلع العام الجديد، ضمن حفل توقيع في فندق «فينيسيا» في بيروت». وما حكاية إهداءات الكتب التي تقف عائقاً دون توزيع الكتاب في بعض الدول العربيّة؟ يقول: «حين أهديت أحد كتبي إلى قطر، كنت أود إهداءه إلى الشيخة موزة، لكنّها هي التي طلبت أن أهديه إلى قطر». وعن إهدائه كتابه الأخير إلى سوريا والمواقف «المتطرفة» التي يكررها في كل المناسبات وعلى صفحته على فايسبوك، يجيب «بالعكس، أنا فخور بما فعلت. لا أحابي أنظمة للحصول على منفعة خاصة، بل هي للتاريخ. سياسياً، أتبع مفاهيم وآداب «الحزب القومي السوري الاجتماعي»، ونهج أنطون سعادة». ويتابع «كل السياسيين لا يعجبونني، لأنّ كل ما يفعلونه هو ممارسة العادة السريّة في تفكيرهم».





5 تواريخ

1974
الولادة في بيروت

1989
بدأ يتعلم مزج الألوان
في مدرسة «الرسل» في جونيه ـ
شمال بيروت

1998
دراسة الماكياج وبدء العمل
في التلفزيون

2003
صدور أول كتاب تجميلي
بعنوان «حق التجميل»

2013
يصدر كتابه «وتكلمت»
مطلع العام الجديد