بغداد | ميتة مأساويّة لأحد الشباب العراقيّين الحالمين، تخسر فيها بغداد طاقة ممتازة في التصوير السينمائيّ وفي الإخراج أيضاً بعد تجربة يتيمة له. رحل مضر أنعم (1984- 2015)، غرقاً في جزيرة «رودس» اليونانيّة، فكسر قلوب أصدقائه ومحبّيه، ممّن عرفوه مغامراً تحمّل سنوات العنف الطائفيّ 2006 وتجاوز مخاطر التفجيرات اليوميّة، كي يواصل مع جمع من زملائه صناعة أفلام عراقيّة تقدّم صورة أخرى عن بلاد الرافدين، غير صورة الأرض الملتهبة التي تصارع الإرهاب والفساد منذ عقد تقريباً.


يقرّر الهجرة فجأة، من دون أن يبلغ الكثير من صحبه وزملائه، فيأتيهم الخبر الصاعق: مضر غريق وصورته ميّتاً منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعيّ، مع كتاب رسميّ تطلب فيه عائلته من السفارة العراقيّة في أثينا تسهيل إجراءات نقل الجثمان من هناك إلى بغداد.
لم يصدق كثيرون الخبر في البداية، تمنّى بعضهم ألا يكون صحيحاً، حتّى انتشر الكتاب الرسميّ الذي تحوّل إلى واجهة للكثير من الصفحات على فايسبوك. من يدري لعلّها وثيقة للمستقبل أكثر من وظيفتها الآنية الإجرائية. لكن يوم السبت، تأكّد للجميع أنّ فقيدهم المشاكس ذهب إلى حتفه بعد أيّام على غيابه المفاجئ.
المصوّر المحترف الذي عُرف بإمكاناته وتواضعه أيضاً، كثيراً ما كان يجتهد في إظهار ملامح أبطاله وقصصهم، حتّى وهو على مقاعد الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة التي تخرّج منها عام 2010 (قسم السمعيّة والمرئيّة)، كما في أبرز الأفلام التي كان الراحل مديراً لتصويرها مثل «كوابيس» (2009) لإياس جهاد، و»عيد ميلاد» (2013) لمهند حيال، و»قطن» (2013) للؤي فاضل، فضلاً عن فيلمه الوحيد «فالنتاين».
كان مشهد موته سينمائيّاً بمسحة فجائعيّة تنتمي إلى حاضر العراق فعلاً. ينقلب القارب الذي كان يحمله مع آخرين، فما هي إلا لحظات ويفارق الحياة. سيرة شخصيّة بدأت بشقاء مواصلة العيش في بغداد، لكن بتحدٍ لا حدود له عرف به الجيل الجديد من مبدعي السينما والمسرح وغيرهما من الفنون، ثمّ مغامرة غير محسوبة دافعها الأساس لذة الوصول إلى أوروبا، وأخيراً انطفاء تام للأحلام التي ابتلع البحر صاحبها الطامح إلى تغيير واقعه.
كيف نتخيّل استسلامه للحظة الموت الأخيرة؟ وهل استقبله وهو في قعر البحر، ذلك السؤال القديم من متون الكتب: «أيّها الآدميّ الخاطئ من أين وإلى أين؟». هذه المرّة الشاب الأسمر هو بطل فيلم النزع الأخير، لا ينافسه أحد وما من مدير تصوير بمهارته يمكنه توثيق موته، الذي هو موتنا جميعاً، نحن المعزّين والمكلومين برحيله.
أكثر من مناسبة نعي وحفل تأبين في بغداد، ستنطلق اليوم الاثنين، مثل فعالية «رثاء مضر» التي يقيمها عدد من الفنّانين في باحة المسرح الوطنيّ في بغداد، مع استذكار مرتقب في نهاية الأسبوع سيقيمه أصدقاؤه في مؤسّسة «برج بابل»، ويتضمن استعادة لبعض ما أسهم في انجازه على صعيد الإنتاج السينمائيّ والتأسيس لجماعات ومبادرات تهتم بالشأن نفسه.
مضر وشقيقه الذي استشهد في تفجير بحزام ناسف عام 2009، ومن سبقهما أو من سيلحق بهما، هيئاتهم تصرخ في وجه السماء: كم من الموت بعد يتّسع هذا العالم؟