ناهضون

لماذا نحور وندور ونتوتّر ونتهاجم؟
الحلّ هو القول أنّ الكلّ في لبنان أوادم! لا قَتَلَة ولا فاسدون. لا لصوص ولا خَوَنة. لا مجانين ولا كذّابون. الشعب سعيد وجميعه قتيل. من لم يقتله الرصاص قتله الكلام (والسكوت) وحوادث السير الإجباريّة.
... وأنْ نمضي في نفاقنا فنؤكّد أنّ العدالة فخّ، وأنّ التيه أجمل، وأنّ مَن قَتَل سوف يَقتل ومَن قُتل سوف يظلّ يُقْتَل.
لو كنّا مجرّد شعبٍ صغير لكانت عقدتنا مثل عقدة جميع الشعوب الصغيرة: إرادةُ الظهور كعمالقة. لكنّنا شعب طوائف. (كنّا ثماني عشرة طائفة وأصبحنا، مع عملاء إسرائيل، تسع عشرة) وكلّ طائفة تريد نفسها سلطانة البرّ والبحر.

لا طوائف الأقليّات الحقيقيّة فحسب، كالموارنة والدروز، بل طوائف الأقليّات _ الأكثريّة، كالسنّة والشيعة. للسنّة ثلاثةُ أرباعِ العالم الإسلامي وللآخرين إيران الأمبراطوريّة المنبعثة من نومها، فضلاً عن شيعة العراق والبحرين والسعوديّة وشيعة آسيا الآخرين وأفريقيا المهاجرين وأميركا اللاتينيّة الفاتحين.
كلّنا ناهضون. والإخوان المسلمون. والشبّيحة السوريّون. وملغّمو السيارات «العراقيّون». وسائر صهاينة العرب.
كلّنا أبرياء. ولا داعي لإصدار مذكّرة توقيف سوريّة بحقّ الحريري وصقر ولا مذكرة توقيف لبنانيّة بحقّ المملوك وعدنان. اللبنانيّون موقوفون منذ 1975 والسوريّون من آذار 2011. اللبنانيّون موقوفون عن الارتزاق والعيش الكريم والعدالة والسوريّون موقوفون عن الاستمرار على قيد الحياة. ما الحاجة إلى الوَرَق القانوني؟ السيف أصدق إنباءً من الكتبِ. اسألوا الحوّامات والطائرات والدبابات في سوريا، واسألوا طرابلس وصيدا ورفيق الحريري وسائر الشهداء في لبنان. لماذا يضيّع القضاء وقته و«الفاعلون» ماضون في نشاطهم الفعلي؟ واليومي؟ ومتى كان القضاء فوق القَدَر؟
ناهضون. والأمن ممسوك. على ذمّة وزير الداخليّة وفي غياب ليليّ تام لدوريّات الشرطة على الأوتوسترادات. وغياب نهاريّ أيضاً. اقرأوا أخبار الضحايا جرحى وموتى في صفحات الحوادث والوفيات. ولا تقرأوا أخبار التشليح والسطو لأن لا أحد يدري بها.
آمنون.
الحلّ هو في تصديق رجال السلطة والنوم على خطاباتهم المنوّمة. منوّمات مجانيّة على الأقل، وبلا مضاعفات جانبيّة. ظاهريّاً مفروض أن تعطي المواطنين (؟) أملاً، وفعليّاً تسلبهم ما تبقّى فيهم من قدرة على الرجاء.
مناضلون.
لم نترك لإسرائيل قطعةَ أرضٍ سليبة. وأخذنا جميع حقوقنا السياسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة. أكبر شاهد أراكيلُ المطاعم وخرير الفراغ في وسط بيروت. وفرق الشحّاذين من الأطفال شبه العراة إلى العجّز والنسوة. ووديانُ الحفرِ والآبار في الشوارع. وطَمْر المدينة بالباطون والرئات بالتلوّث والبلاد بالتصحُّر. وغداً يسرقون نفط البرّ والبحر والغاز بعدما سرقوا الماء والكهرباء وتراب الجبال.
والشاشات تنقل التفاهة والنفاق والفجور والدم.
وأنا حين لم أعد أطيق هذه الحياة تخربط تلفزيوني.
والخير لَوَرا.

■ ■ ■


مجتمعات الطوائف الصهيونيّة من مختلف الأديان. مجتمعات لا تتغيّر إلّا نحو الأسوأ، لا تُرْحَم ولا تَرْحَم، يزول من أرضها الشجر ومن فضائها الفضاء ليعلو الغباء، ويتقلّص العقل لحساب التقيّة والمراوغة والعذاب الأعمى.
هذا ما يدفع بنا نحوه واقع المجتمعات في بلادنا وحول بلادنا وفي المحيط.
وهذا ما نرفضه. القرف عارم ولن نستسلم للقرف. التشاؤم واقع ولن نستسلم لليأس. سنواظب على الأمل. وسنستمر في ترّهاتنا الأدبيّة والفنيّة لأنّ هذه الأوهام علّة لوجودنا.
ليس عندنا عدل؟ لنفضح الظلم! ليس عندنا حريّة؟ لنصطنعها! ليس عندنا تسامح؟ لنضرب التعصّب دون تغافُل، لنثابر على ضربه ليلَ نهار، بلا رياء، ولنُعَرِّ فظاعته وانتهازيّته.
لا نملك سلاحاً؟ لدينا الحياة. عندنا على كلّ مئة مزوِّر ومنافق وموتور، أصيلٌ ومحبٌّ وشجاع. واحدٌ على مئة؟ بزيادة! واحد على ألف بزيادة! على عشرة آلاف! على مليون! بزيادة! حبّةُ ندى تصبح قطرة ماء تحفر وتحفر حتّى تشقّ الصخر.
اليأس صناعتُهم، لن نأخذها.
عاهاتٌ كثيرة أصابت وتصيب مجتمعنا، ولكنّ فيه خيرات تستحقّ الكفاح من أجلها.
للبشر مواعيدُ دائماً، مهما طالت، مع نورٍ يجهلونه.




اخْتَصِرْ

ما أطيبَ الإيجاز (في المختصر وفي التطويل).
نفاد الصبر أحد الدوافع الرئيسيّة للأدب الحديث، للأغنية الحديثة والصحافة الحديثة والسينما الحديثة والعلاقات البشريّة الحديثة.
لا يمكن تخيُّل مقامات الحريري (القديم) اليوم. ولا صفحات الوصف المميت عند بلزاك. إذا أراد «ظريفٌ» أن يأخذ خمس أو عشر دقائق لرواية نكتة يصبح عرضةً للضرب. الصدر كالنسيج يتمزّق مع الوقت. للأنفاس أعمار. كوميديا الأمس تجعّدتْ وبارت. كانوا يأخذون وقتهم بلا اعتبار للأعصاب (الأعصاب وقت).
التوتّر العصبي جديد على الأدب. لم تعد لفظةُ «لعمري» تصلح لغير الهزء. «لعمري» وأخواتها. لحمٌ ميت. لا أفهم كيف يعيد المطرب المقطع نفسه عشر مرّات. لا أفهمها إلّا من باب إعجاب المطرب بنفسه. أمّ كلثوم كانت تُعيد وتُعيد لا استجابةً لرغبة الجمهور فحسب، بل افتتاناً بصوتها. إذا قيل إنّ الجمهور يحبّ التكرار، فالجواب أنّ الجمهور يحبّ الدوّامة لأنّه يُفضّل ما يعرف على ما يجهل. الجمهور لم يكن ولن يكون مرجعاً في الذوق والأناقة والرهافة.
للأنفاس عصور وللأعصاب أجيال. يجب أن نترك وراءنا الجوع إلينا لا التخمة.



مصر
يتطلّع أحرار العرب إلى العلمانيّين في مصر تَطلُّع الخائف إلى مَن يطمئنه. عجيبٌ هذا الشعب المصري! قد يتكيّف مع الشيء وضدّه، ولكنْ دائماً بشرط لا يتخلّى عنه: الضحك على التزمُّت. وقد يبدأ هذا التحرّر بنكتة ويتطوّر إلى ثورة شعبيّة.
ليست فقط نكتة ولا ميدان تحرير ولا شارع المأمون بل قد تكون أغنية وربّما رواية أو ثرثرة فوق النيل.
هواءُ النيل يأسر ولا يؤسر. كان جمال عبد الناصر دكتاتوراً بشبْه إجماع، لا في مصر وحدها بل في العالم العربي، وها هو يترك إرثاً من الناصريّين الديموقراطيّين. هواءُ النيل يأسر ولا يؤسر.
يحمل الهواء المصري إخوانيّاً إلى السلطة فيحمل العلمانيّين فوراً إلى الشارع. وإذا عاد هؤلاء إلى السلطة فسيرجع الإخوان إلى الشارع ولو وراء أقنعة. مدّ وجزر هما أنفاس الحياة.
لم أصدّق حين قرأتُ أنّ أحدهم في مصر أعلن عزمه على نسف أبي الهول والأهرامات «لأنّها وثنيّة، وقد سَبَقَنا الطالبان الأفغان إلى تحطيم التماثيل البوذيّة، وحسناً فعلوا». أفهم أن يصاب المرء برهبةٍ حين ينظر إليه أبو الهول. تمثالٌ يحاكي سرّ أسرار الخالق والخليقة. الأهرامات لا تزال تتحدّى عقول العلماء. مصر أُمّ الدنيا. فلنعتبر تصريح المصري الطالباني هذا نكتة كما اعتبرها المصريّون. شعبٌ سلاحه المرح لا يسالم غير المحبّة. وهو لا يخشى اللهَ إرهاباً وإنّما طواعية. ومهما لعبتْ به الأهواء يعود واقفاً كالطير فوق النيل.
هكذا نقرأ مصر. هكذا نصلّي لها أن تبقى. هكذا نشدّ نحوها رحال الأمل.