كانت في الرابعة عندما ألحّت على والدتها لتذهب معها إلى إحدى السهرات العائلية. اعتلت الطفلة المسرح وطلبت من الموسيقيين أن يبدأوا بالعزف، وراحت تتنقل بصوتها بين «سلوا قلبي»، و«زهر الربيع»، و«ريمٌ على القاع» و«غنّيلي شوي شوي» بسهولة وطلاقة فائقتين، أدهشتا الجميع. كل ما تذكره هيام يونس عن نفسها أنها عاشت أعواماً طويلة تتغذى من النغم. برأيها، كان سرّها يكمن في أنّها «طفلة صغيرة لها آهات كبيرة. في ذلك الوقت، كان على من يريد أن يثبت نفسه مطرباً أن يغنّي لأم كلثوم».

استضافتنا «المطربة المثقفة» في المنزل الذي قررت أن تستقر فيه مع أنطوان شهوان، رجل الأعمال اللبناني، الذي وجدت فيه عام 1990 «من تستطيع إكمال مشوار العمر معه»، بعدما كرّست حياتها للفن وكادت أن تنسى الارتباط. منزل دافئ، كصوتها، في بلدة درعون، مشرف على خليج جونية، وعلى مقربة من سيّدة حريصا.«أعيش اليوم في ربيع من شباب وخريف من طفولة»، تقول.
إلى جانب تلك الشجرة الميلادية المزدانة باللون الذهبي، حكت لنا يونس، بلباقة مفرطة، تفاصيل رحلة حياتها التي بدأت من بلدة تنّورين (قضاء البترون) في الأربعينيات. هي الابنة الصغرى بين 13 ولداً، لوالدين امتازا بجمال الصوت وعشق الموسيقى. فقدت «مطربة القصائد» العديد من إخوتها تباعاً، منهم أختها نزهة المطربة والممثلة المعروفة. لم يبق لها اليوم سوى شقيقها وجدي، الأستاذ الجامعي و«ملاكها الحارس» الذي رافقها طوال مسيرتها الفنيّة. تعلمت هيام يونس حب الناس من عائلتها. خسارة إخوتها واحداً تلو الآخر آلم قلبها كثيراً، إلا أنّ إحاطة أولادهم لها ملأت بعض الفراغ الذي تركوه، كما تخبرنا.

يعدّ فيلم «قلبي على ولدي» (1953) لهنري بركات المحطة الأبرز في المسيرة الفنيّة لابنة تاجر الأخشاب. كانت تغني في شاغور حمّانا، حين سمعت صوتها المنتجة آسيا داغر وقرّرت التعاقد معها للتمثيل في القاهرة. منذ ذلك الحين، وقفت أمام عمالقة السينما المصرية، مثل كمال الشناوي، وزكي رستم. تتذكر يونس ذلك، وتستغرب الآن كيف أنّها لم تخَف البتة، وكيف أنّها تمكنت من حفظ حوار يزيد على أربع صفحات وإتقانه باللهجة المصرية، رغم صغر سنّها.
نالت إعجاب الرئيسين رياض الصلح وبشارة الخوري، فلقّبها الأخير بـ«أعجوبة القرن العشرين»، وأصرّ الأول على التكفل بتعليمها. أدخلها إلى مدرسة داخلية في منطقة الأشرفية (شرق بيروت)، على نفقة الحكومة اللبنانية، لكي تتمكن في ما بعد من تحديد توجهها الفني. إلا أنّه بسبب تعلّقها الزائد بعائلتها، تركت المدرسة، التي ما لبثت أن عادت إليها، وهي في السابعة، فور انتهاء عقودها في مصر والأقطار العربية. عادت هذه المرة إلى مدرسة عادية، فتاة متمكنة من اللغة العربية، تحفظ أكثر من 2000 بيت شعري، بعدما تتلمذت على يد الشاعر يونس الابن والأستاذ وليم حسواني.
بدأت بمراسلة الشعراء والكتاب العرب أمثال إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، وميخائيل نعيمة، ونزار قباني، وبولس سلامة، ومارون عبود وغيرهم. تولّى الموسيقار سليم الحلو، تعليمها العزف على العود وإجادة المقامات والموشحات، كما درّبها على الغناء الشرقي الأصيل والموّال البغدادي. بالتزامن مع الدراسة، ظلت تحيي الحفلات الساهرة يومياً. «كانت سهرات عائلية تنتهي عند الساعة العاشرة مساءً، بين «النادي الدولي» في فرن الشباك و«طانيوس» في عاليه، و«عجرم» في عين المريسة وبيسين عاليه وغيرها...».
«كنت أول فتاة غير خليجية تغني اللون السعودي». تقدّم لنا القهوة المرّة وتشرح أن صوتها كان الأول الذي أذيع من مكّة المكرمة من خلال أغنية «سمراء». تصرّ «هيّومة»، كما يناديها زوجها، على استحضار كل الأسماء الخليجية التي تعاملت معها، كالملحّنين: طلال مداح، طارق عبد الحكيم وسمير الوادي، إلى عمر كدرس، وفوزي محسون، وعبد الله المرشدي وغيرهم. كما غنّت للشعراء طاهر زمخشري (بابا طاهر)، وإبراهيم خفاجي، وأبو بكر سالم، مروراً بجميل محمود وغازي علي. ساهمت هيام يونس في نشر الأغنية السعودية في ظل غياب الأصوات النسائية المحليّة، كما تميّزت بعلاقة ممتازة مع الجمهور، وخصوصاً حين صار الهواة يعتمدون على أغنياتها بهدف التمرين.
إضافة إلى فيلم «قلبي على ولدي» الذي ساهم في انطلاقتها، شاركت «صاحبة الإحساس الخطير» كما لقّبها الموسيقار محمد عبد الوهاب، في الفيلم اللبناني «إلى أين» (1957) لجورج نصر، وكان أوّل فيلم سينمائي لبناني يشارك في «مهرجان كان». رغم نجاحها في التجربتين التلفزيونية والإذاعية، كتابةً وتمثيلاً وغناءً، بقي الغناء شغفها الأوحد. «الغناء قدري»، تقول وفي عينيها لمعة ساحرة. فاقت أغنياتها الـ 600 تنوعت بين العاطفية والوطنية والفولكلورية والشعبية، تعاملت فيها مع كبارٍ كوديع الصافي، ونور الملا، وفيلمون وهبي، وموريس عواد، وإيلي شويري، ووليد غلمية وغيرهم. وتجدر الإشارة إلى أنها لحّنت لنفسها أغنية «دقّ بواب الناس كلّا».
في نهاية الثمانينيات، قررت هيام يونس الاعتكاف، نتيجة الظروف الأمنية التي فرضتها الحرب الأهليّة اللبنانية، والجو الفني الذي ساد بعدها.
«راقبتُ بحسرة وألم ريثما تنحسر الموجة». عادت عام 2000 بأسطوانة حملت عنوان «راجعة»، وتستعدّ اليوم لإصدار ألبوم جديد يتضمن 10 أغانٍ، لكنها تبحث عن شركة إنتاج لإصداره وتوزيعه، بعدما أمضت ثلاث سنوات تنفق من جيبها الخاص على تسجيله.
تتهيّأ للعودة بحماسة شديدة رغم إيمانها بأنّ «صداقات أيّام زمان ولّت»، وأن الإعلام اليوم محكوم بصداقات مفروضة عليه «لاعتبارت مالية»، لكنّها تؤمن بأنّه «في مكان ما، لا يزال هناك فسحة للطرب والآه».




5 تواريخ

أواخر الأربعينيات
الولادة في تنّورين (شمال لبنان)

1953
شاركت طفلةً في الفيلم المصري «قلبي على ولدي» لهنري بركات، ما شكّل الشرارة الأولى في مسيرتها الفنيّة

1966
أغنية «سمراء» من كلمات الشاعر السعودي يحيي توفيق وألحان مواطنه جميل محمود

1989
اعتكفت بسبب الجوّ الذي ساد الساحة الفنيّة في نهاية الحرب الأهليّة

2011
تستعد لإصدار ألبوم جديد من 10 أغنيات في انتظار شركة تتكفّل الإنتاج والتوزيع