أن تلتقي عام 2011 يهودياً يعادي الصهيونية، ويعارض السياسات الإجرامية للاحتلال الإسرائيلي، فهذا ليس مستحيلاً. لكن يندر أن تلتقي يهودياً يردّد دوماً أنّه لن «يزور إسرائيل إلا عندما يعود اسمها فلسطين». يبدو لكَ رون مارغولياس، المترجم والصحافي، والناشط الشيوعي التركي، مثقفاً من زمن آخر. متجاهِلاً ديكتاتورية خطاب «روح العصر»، تجده في بحث دائم عن «حزب شيوعي عالمي»، تفرضه حقيقة أنّ العالم أمام خيارين: إما الاشتراكية أو الزوال.

وُلد رون مارغولياس عام 1955 في اسطنبول التي غادرها لدراسة الاقتصاد في لندن. ظلّ يتنقّل بين عاصمة السلاطين وعاصمة الضباب، إلى أن حسم خياره نهائياً قبل خمس سنوات، حين فهم أن «معركته هي هنا في تركيا». والدته من عائلة سفرديم، أتت إلى تركيا منذ زمن بعيد قادمةً من إسبانيا، ووالده من أصول أشكينازية بولندية. لسانه ككتاباته: «وقحة» و«لا وطنية» و«معادية للجمهورية وللعلمانية» بمعايير خصومه في تركيا طبعاً. قد يكون التركي غير الكردي الوحيد الذي يتجرّأ على المجاهرة بأنّ «حل القضية الكردية يجب أن يكون خاضعاً للمبدأ اللينيني الكلاسيكي الذي ينصّ على حق تقرير المصير». كلام كبير يقرّ رون بأنّه لو كان صاحبه كردياً، لما بقي على قيد الحياة، أو لكان عنوانه اليوم معروفاً: السجن.
تتّصل به للحصول على موعد، فيصرّ على اللقاء في منزله في منطقة بيشيكتاش، في الضفة الأوروبية من اسطنبول. نظراً لما تعرفه عن ثراء بعض أحياء تلك المنطقة، تقول لنفسك إنّ مضيفك قد يكون من أولئك اليساريين الذين لا يرتضون العيش بين «الحثالة». تصل إلى العنوان متأخراً ساعة كاملة، بسبب زحمة السير الاسطنبولية، لتكتشف أنّك ظلمتَ الرجل. شقة في الطبقة الرابعة من مبنى لا مصعد كهربائياً فيه. يتلاءم أثاث الشقة مع مساحتها المتواضعة، والمناسبة تماماً لعازب ما زال يتحمّل تذمّر والدته المصرّة على رؤية أحفاد لها قبل أن تموت. جدران البيت تملأها لوحات زجاجية مزخرفة بالآيات القرآنية، إلى جانبها صورة لمصطفى كمال أتاتورك، ممهورة بإحدى أشهر عباراته: «أكبر خطر يهدّد تركيا هو الشيوعية التي يجب أن نحاربها بكل قسوة في كل مكان وزمان».
ما سرّ وجود هذه اللوحة في منزل شيوعي راديكالي مثله؟ يسارع مبرراً: «إنّها للسخرية من الحزب الشيوعي التركي الذي يأبى مغادرة مركزه وسط شارع «تقسيم» الأسطوري». لوثة الانقسامات الشيوعية موجودة في تركيا أيضاً إذاً! يسارع متحمّساً إلى شرح موقفه بإنكليزية جيّدة وفرنسية مقبولة: «الحزب الشيوعي الرسمي لا يشارك في تظاهرة إذا شاركت فيها امرأة محجّبة واحدة». يتابع: «هذا الحزب هو الأشدّ قوميّة في تركيا»، طبعاً بعد «حزب الحركة القومية التركية» المعروف بشوفينيته الفاشيّة. يجزم أنّ هذا الحزب يُزايد على الكماليين الجمهوريين في مسألة دور الجيش والقضية الكردية. يسأل: «ألا تعرف أنّ موقف «الحزب الشيوعي التركي» بالنسبة إلى القضية الكردية هو أنّها «اختراع من الامبريالية لتفتيت وحدة الجمهورية؟». أمّا موقف «حزب العمّال الثوريين الاشتراكيين» ـــــ التنظيم الشيوعي الذي ينتمي إليه رون ويقوده ـــــ فمختلف، إذ يقرّ بحقّ تقرير المصير للشعب الكردي، ويعدّ حزب «العمال الكردستاني» حركة تحرّر وطنية.
رون مارغولياس سعيد اليوم بالكتابة لصحيفة «طرف» مرتين في الأسبوع. تأسست هذه الصحيفة قبل نحو أربع سنوات «لتكسر جميع المحظورات: من الاعتراف بالإبادة الأرمنيّة، وفضح تاريخ الجيش التركي (الدولة العميقة أو عصابات إرغينيكون) والقضية الكردية...». لكن القلق لا يفارقه، لأن الصحيفة تعاني أزمة مادّية كبيرة، و«لا توجد صحيفة تركية أخرى تجرؤ على نشر مقالاتي». ولأنّ مهنة الصحافة لا توفّر عيشاً كريماً، يواصل العمل في مجال الترجمة، من التركية إلى الإنكليزية والعكس.
رون مارغولياس وجه معروف في الأوساط الإعلامية في تركيا. هو ضيف دائم على شاشات التلفزيون والصحف والإذاعات، لأنّه يقول ما لا يقوله غيره، ولأنّه قد يكون أشهر شيوعي ما زال متمسِّكاً بـ«لغته الخشبية»، ولأنّه يهودي و... ملحد علناً. في ما يخصّ يهود تركيا، يأتي كلامه قاسياً أيضاً، بما أن هذه المجموعة الصغيرة (نحو 20 ألفاً) تعاني هجرة مزمنة، بحيث لم يبقَ اليوم في تركيا إلا «العجزة والبسطاء»، رغم أنّها لم تعان أيّ مضايقات تُذكر.
اليسار التركي هو «لا شيء» اليوم في نظره، «لأن كلمة يسار أصبحت موازية لحزب أتاتورك، «الشعب الجمهوري»، في ذهنية الناس. ليس لدى الحزب الشيوعي الرسمي ما يقوله للمواطنين، وخصوصاً المتديّنين الفقراء منهم، فهؤلاء «متخلّفون» بالنسبة إلى قيادة «الشيوعي التركي». برأيه، وضع اليسار التركي خلال حقبات قتل الشيوعيين والتنكيل بهم بعد انقلابي 1960 و1980 «كان أفضل من وضعه اليوم».
لدى مارغولياس قراءة طبقية لحكم حزب «العدالة والتنمية» الذي «لم ولن أنتخبه يوماً لكونه حزباً يمينياً ومحافظاً ودينياً». لكنّ مارغولياس غير خائف من أسلمة تركيا، بما أنّ هناك 5 في المئة فقط من الأتراك يصوّتون لحزب «السعادة»، وريث أحزاب نجم الدين أربكان، الأقرب إلى المشروع الإسلامي.
لن يعود رون مارغولياس إلى إسرائيل قبل أن تعود فلسطين إذاً. لن «يعود» لأنه ذهب إلى هناك ذات مرّة، كان عمره 13 عاماً حين ذهب للاحتفال بتقليد bar mitsvah وهو يعني تكليف الشاب بفرائض الشريعة اليهوديّة. تسأل ضيفنا أياً من الحلّين يراهما أقرب إلى التحقّق يوماً، حلّ الدولتين أم الدولة الواحدة ثنائية القومية؟ يجيبك من حيث لا تنتظر: «الحلّ الواقعي الوحيد هو الشيوعية. فلسطين ليست مشكلة الفلسطينيّين، بل مشكلة الطبقة العاملة العربية، المصرية والسورية واللبنانية والعراقية... لن تقوم قيامة فلسطين إلّا بقيامة العالم العربي».




5 تواريخ


1955
الولادة في إسطنبول

1972
غادر إلى لندن لدراسة الاقتصاد

1997
قاد تحوّل «حركة العمّال الثوريين الاشتراكيين» إلى حزب

2009
صدور أحدث كتبه السياسية: «قلب عالم من دون رحمة: عن الإسلام والإسلاموفوبيا والصهيونية»

2011
يكتب عموداً أسبوعياً لصحيفة «طرف» التركيّة