لم يعش مارون الحكيم تلك التجربة الطفوليّة التي يختبرها الصغار عادةً أمام الصفحة البيضاء. لم يعطه أحد ورقة ليملأها بخربشات أقلام التلوين. عوّض عن ذلك بأن استعار إزميل أخيه المعمرجي خلسةً، ليحفر به على بلاطات سطيحة منزلهم في مزرعة يشوع (المتن الشمالي). عرف النحات والرسام اللبناني ألوان الحجارة والصخر ومواد الأرض أولاً، قبل أن ينتقل إلى ألوان الريشة. حينها اطمأنّ أهل مارون إلى تآلف ابنهم الحادي عشر مع أدوات عملهم الحادة وقسوتها، ظنّاً منهم أن آخر العنقود سيغدو معمرجيّاً كوالده وإخوته... «أو في أقصى التمنيات، أستاذاً في مدرسة الضيعة».


من هذه الطفولة، يحلو لمارون الحكيم أن يبدأ الحديث عن مسيرته المهنيّة. وهو حين يخبرك عن سنوات احترافه، لا يبدأ العَدَّ إلا من تلك الأيام الأولى، حين كان لم يتجاوز بعد عقده الأول. فور نيله الشهادة المتوسطة، تقدّم إلى «دار المعلمين» في جونية، مستفيداً من منحة قدرها مئة ليرة لبنانية، يتعلّم بقيمتها، ويعلّم التلامذة في المدارس الرسمية. لحسن حظه كما يقول «إن أستاذي رشيد وهبي، رأى فيّ موهبة ميّزتني عن أترابي». لهذا نصحه بألا يتوقّف بعد التخرج، وشجّعه على متابعة تحصيله العلمي في «معهد الفنون الجميلة» في بيروت.
اجتهد الحكيم وحيداًَ في دراسة مقررات المرحلة الثانوية، وتقدّم بطلب حر لشهادة البكالوريا الرسمية، خوّلته الانتساب إلى كلية الفنون عام 1971. في قسم الرسم والتصوير، رأى زملاءه يتفوقون في علم الألوان، فيما كانت ممارسته السابقة كنحّات تركّز على التعامل مع الأشكال والأحجام بأبعاد ثلاثة، ولا تكتفي بالمسطّحات الأفقيّة. تلك الفترة كانت بداية مرحلة طويلة من التفاعل والتبادل مع جيل ذهبي من الفنانين اللبنانيين، أمثال:حسن جوني، محمد الروّاس، عصام خير الله وعماد أبو عجرم. تشكيليّون كبار بنى معهم صداقات لم يخفت وهجها إلى اليوم.
من محترفات «الجامعة اللبنانية»، انتقل إلى إيطاليا ليكمل دراسته في مادة السيراميك ويتخرّج أستاذاً من «كلية روما للفنون التطبيقية». عند عودته إلى لبنان، بدأ أولى تجاربه الشخصية وإبداعاته في المزج بين فنَّي النحت والرسم، فابتكر فن «اللوحة المنحوتة» التي قفز بها من حدود اللوحة في شكلها المسطح، وبعديها الاثنين. رفع في تقنيته تلك النتوءات داخل مساحة اللوحة، وحفر الأحجام على الأسطح الملساء والملونة. كان أول من ابتكر ما عرف لاحقاً باللوحة المنحوتة، عارضاً نماذج متعددة منها لأول مرة عام 1979. قلّة من الناس يعرفون كيف ينتصرون على الوقت كمارون الحكيم. يفتخر بأنّه فنان لا يكلّ ولا يتعب من التجريب، إضافة إلى أنه أستاذ جامعيّ يمارس حياته الأكاديمية، ونقابيّ عمل طويلاً لتحقيق الحد الأدنى من حقوق الفنانين، ورب عائلة أولاها الاهتمام اللازم «حتى إنّه يبقى عندي بعض الوقت لممارسة نشاطات اجتماعية». وسط أجندته المزدحمة، يحمل على كل فنان لا ينتج أعمالاً، بحجة عدم توافر الوقت الكافي لذلك. من جهته، اشتهر الحكيم بغزارة لم تأت على حساب الاستسهال أو الابتذال في العمل الفني. لوحاته تعبق غالباً بكثير من الابتكار والتركيب.
هذا الاختبار المكثّف تحوّل إلى طابع لصيق بأعماله، وخصوصاً مع استعماله كمّاً غير محدود من المواد، صهرها مع الألوان، كالخشب والحديد وحتى القماش، كما لجأ إلى فضلات علب التلوين الفارغة، ورماها على لوحاته بشكل ديناميكي ليضيفها كعنصر مُجَدِّدْ، عافياً إياها من سلة المهملات. تجاوزت أعمال الفنان الستيني مئتي منحوتة ولوحة، تنقّلت بين أكثر من 30 معرضاً فردياً في لبنان وباريس والمغرب وقبرص، إضافةً إلى سبعين معرضاً جماعياً في كندا وسويسرا وفرنسا ومختلف الدول العربية، وقد جمعها أخيراً في معرض استعادي في «سرايا بكفيا» (Retrospective 1975 ـــ 2010).
رغم اقتناعه بأن الفن مواجهة ذاتية، وأنه حاجة طبيعية في المقام الأول، لم يتوانَ مارون الحكيم عن نقل معرفته ومشاطرتها مع الآخرين. مارس مهنة التدريس في «معهد الفنون الجميلة»، ورأس قسم الرسم والتصوير فيه منذ عام 1986 ولا يزال يرأسه حتى اليوم، مشرفاً على تخريج أجيال متعاقبة من الطلاب، أصبحوا هم بدورهم فنانين تشكيليين محترفين. وبغية إنصاف مسيرة الرسامين والنحاتين الفنيّة والأكاديميّة، ناضل الحكيم لتأسيس إطار نقابي لعملهم هو «جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت» التي ترأسها عام 1998 لمدة عامين.
بعدها نجح إلى جانب زملاء له، بعد صراع مرير مع وزارة الداخلية آنذاك، في انتزاع علم وخبر لنقابة الفنانين التشكيليين، وقد ترأسها لسبع سنوات منذ عام 2002.
حين يبدأ بخط الرسوم الأولى على القماشة العذراء، لا يفكر مارون الحكيم إلى أين ستقوده، أو إلامَ سيستحيل الحجر بين يديه. يترك للإزميل أن يفعل فعله. وحين ينتهي ويصبح قادراً على التخاطب مع المنحوتة أو اللوحة التي خرجت من يديه الملوّثتين بالغبار والألوان، لا يشبع منها، إلى درجة يكره كل من عبّر عن رغبته في شرائها. «ما من فنان يُحبّ في سرّه أن يبيع عملاً له».
حتّى لا تبقى أعماله كأعمال معظم الفنانين التشكيليين موزّعة بـ«المفرّق» في بيوت ومنازل كثيرة، عزم الحكيم على إنشاء متحفه الخاص وتفرغ له حتى افتتحه عام 2008 كي يصبح «البيت ـــــ المحترف» الذي ولد فيه، «مقرّاً لتجارب تشكيليّة فنية طويلة في الجماليّة والتقنيّة، ومقصداً لمتذوّقي الفنون وطلابها». متحفه أنقذ جهده من الضياع، كتراثٍ فنّي كبير لا يسمع به جيل اليوم كأعمال كثيرين، أمثال:
يوسف الحويك، جان خليفة، منير فحم وقيصر الجميل. برأي الحكيم، على كلّ فنان أن ينشئ متحفه الخاص كي لا يبقى الفن، كما هو اليوم، «سلعةً تباع وتُشترى».




5 تواريخ





1950
الولادة في مزرعة يشوع
(المتن الشمالي)

1986
رئيس قسم الرسم والتصوير
في «كليّة الفنون الجميلة» في الجامعة اللبنانية،
المنصب الذي لا يزال يشغله حتى اليوم

2002
أسّس «نقابة الفنانين التشكيليّين
اللبنانيّين» وترأّسها

2008
افتتح متحفه الخاص
في مزرعة يشوع

2011
نظّم معرضاً استعاديّاً لمجمل أعماله
في سرايا بكفيا، ويعدّ لمعرض
في أيار (مايو) المقبل