أقوى حبّ

أقوى حبّ هو الذي يرفده إحساسان متناقضان ظاهريّاً: الشفقة والإعجاب. تصل الشفقة بصاحبها إلى نكران الذات، والإعجاب يُعوّض ما ينقص الشفقة على صعيد الرغبة.
الشفقة المتفانية تحنان لا إحسان، وأعظم أنواع الإعجاب «طَبَقي»، بالمعنَيين الاجتماعي والمعنوي: علاقة بين فقير وأرستقراطيّة ثريّة، أو بين امرأة عاديّة وموهوب مشهور. الشفقة نَجْدة ضدّ ظلم، الإعجاب انبهار بتفوّق.

الأدب المسيحي ترجم «شاريتيه» محبّة. كياسة مُترْجم. الشفقة أقوى من «محبّة» تشوبها العموميّات وإنسانيّة هلاميّة. الشفقة توريطٌ متطرّف للوجدان.
وهي ليست تصدُّقاً بل تفيض من أكثر ما في المرء انحيازاً للحماية ضدّ العدوان وللحقّ ضد التجنّي.
مجموعة كبيرة من آيات المسيح تأتّت من إحساسه بالشفقة. الشفقة تتضمّن المحبّة والمحبّة لا تتضمّن الشفقة حتماً. المحبّة التي آثرها بولس على الإيمان والرجاء أكبر الظنّ أنّها الشفقة، وإلّا لتَقَدَّم الإيمان عليها والرجاء. الشفقة هي التي، حين تولَد، تُشلّقُ سائر المتجمّدات في النفس. الإعجاب للبَهْر والشفقة للبصيرة.
تُوسّع الشفقةُ حدود الكائن لتحتضن إهداءه ذاته، ويوسّع الإعجابُ هذه الحدود عبر التماهي مع المعجب به حتّى الامتلاء، معوّضاً في لحظات الانتشاء هذه عن ضعفه هو وضحالة دنياه.
بالشفقة وحدها، دون الإعجاب، لا يحلّق الحبّ. بالإعجاب وحده، دون الشفقة، لا يَدفأ.
الإعجاب يدغدغ في المُعْجَب غروره، ويثير في مصدر الإعجاب قلقه من تدنّي فرادته فيخسر المحبّ. الشفقة غوصٌ على شقاء الآخر في أعمق أعماقه ومشاركتُهُ ألمه، وأخْذُه عنه.
قيل إنّ المشفق يخسر سلامه. ربّما المشفق اضطراراً، تحت وطأة الواجب. شفقةُ الحبّ لا ترتوي. شفقة الحبّ لا تُحاسِب. شفقة الحبّ التي يرفدها الإعجاب تصبح عبادة.
ولا حاجة لتنبيه المشفق أنْ لا يُحسّس الآخر بالإشفاق. الشفقة الحَقّة مَلَاكٌ عاشق.

■ ■ ■

هو الحبّ الأقوى... لن نزعم أنه مستحيل. ليس مستحيلاً. ولكن الويل لمَن تقع القرعةُ عليه! الويل للمُنْعَم عليه! سيقول وداعاً للخفّة، خفّة الكائن التي لا يحتمل نفسه إلّا بها...




تلك الصديقة
... أعود إلى كتب كنتُ معجباً بها، عودةَ الملهوف، ولا أقدر أن أكمل ثلاثة أسطر.
كان عنصر المفاجأة هو المفتاح، والتَهَمتهُ الذاكرة. كُتبٌ ينهيها استهلاك مفاجآتها (القصصيّة، البوليسيّة، الإنشائيّة...). أحلى رفيقة لأيّام الحاجة إلى التشويق المفرقع، الذي لا يترك في الرأس ملعباً لغير تَلاحُقِ الحوادث. كتبٌ تعوّضك ضجَرَ القراءات المدرسيّة الكالحة. كُتُبُ فناءٍ ساحر يلهيك عن سماع دقّات فنائك أَمامك.
أعود إلى تلك الكتب الصديقة فأراها أكداساً من ورق الخريف. تُبكيني على حالها قبل أن تبكيني على حالي. انطفأتْ وتركتني بلا مَهْرَب.
صرتُ وحدي وجهاً لوجه أمام المؤلّفات الرصينة.
كان لي أُمّان، أبي وأمّي. أمّي قبل أن يخطفها الموت في صباها وأبي بهدهدة ذراعيه وهو ينسج لي الحكايات كي أنام. هذه الحكايات طفقتُ أبحث عن تتمّة لها مذ قدرت، بقروش «الخارجيّة»، على شراء كتاب. كان رفيق الدرب شوقي أبي شقرا يسمّيني «مفترس قصص». البوليسيّة السوداء وقبلها وأكثر منها روايات السيف والترس للكورسيكي المظلوم ميشال زيفاكو. مَن يدمن أمثال هؤلاء يبهت في عينيه الأدب الكلاسيكي. مؤلّفو الروايات المتسلسلة، وأشهرهم في القرن التاسع ألكساندر دوما الأب، يتيتَّم إذا انتهى مخزونهم. عند بلزاك لا تعرف الأشخاص بعضهم من بعض. دقّة دوستيوفسكي التفصيليّة تُخلخل شاعريّته. هوغو لم يحبس أنفاس قرّائه إلّا عندما قلّد أوجين سو في التشويق فكتب رائعته «البؤساء». سيّد التشويق الأسود على الطريقة الأميركيّة هو البريطاني جيمس هادلي تشيز. ثم لا يلبث إعجابك به أن يتراجع عندما تكتشف كم أخذ من السينما لا كم أخذت السينما منه. التشويق أسلوبٌ لا مجرّد عقدة و«أكشن». ليس في أفلام هيتشكوك «أكشن» إلّا الحدّ الأدنى ومع هذا تراها مشحونة بالكهرباء. كلّ كتابات بودلير، بما فيها نقده، تسطع وتهزّ وتموج وتصخب بالمفاجآت: ولا لحظة تثاؤب. التوتّر. الكهرباء. الكتابة بلا هذه الروح نومٌ على الورق.
بعدما صرتُ إمّا الكتب الرصينة وإمّا لا شيء، أدركتُ أكثر فأكثر معنى أن يكون المرء قد بدأ حياته بالمقلوب.



نخاع العظم
عندما نقول التوتّر، الكهرباء، لا نعني الأسلوب بالمعنى التعبيري، الجمالي، بل بمعنى الشخصيّة الكاملة، بمعنى اللغة الكياني، نخاع العظم. لا تجريدَ ولا تجسيد بل الاثنان والثلاثة والمئة. لا لفظةَ الكلمة بل لفظة الشعور، الفكرة، الصورة، الهاجس. لفظة الروح. الدمجُ بين التجربة المغمَّسة بالحياة ومصفاة الذهن بمختلف درجاتها.
لا يُقال لكاتب كيف يكتب. يؤخذ كما هو أو يُرْفَض. ليس الأسلوب هو الشخص بل الشخص هو اللغة. هو أيّ لغة كانت لغته. الكتابةُ تأتي من الشخص أوّلاً ثم من القراءة والكتابة. الشخص، جيناته ومزاجه وخطّه البياني بحذافيره، هو الذي يكتب. لغةُ الكاتب هي قدَرَه الموروث واختلاجات علاقته بهذا القَدَر.
والكهرباء المقصودة ليست النور وحده بل أيضاً احتجابُ هذا النور. الإشعاع ظهورُ الباطن. ظهورات الباطن. الفعل والانفعال، الإيجاب والسلب، الهجوم والسكينة، كلّها فقرات عمود اللغة.
نظريّة الحداثة صالحة شرط أن لا نقصرها على المعاصَرَة. إذا وسّعناها لتصبح واحدة مع نظريّة دوام النضارة، دوام القرب في أيّ زمن كان، تصبح أكثر صوابية، ولكنّها لا تنطبق تماماً. مهما فعلنا لن يصبح الآباءُ أبناءً إلّا لآبائهم. لن يصبح المجنون وأبو تمّام والمتنبّي وأبو العلاء حديثين في المطلق لأنّهم لم يعودوا لساناً لحالنا إلّا اصطلاحاً وتذوّقاً أو تماهياً مفتعلاً. غير أن ثمّة صلةَ قربى بين كلّ سابق سبّاق ولاحق مارق هي لغة مواجهة اللغة ولغة مجادلة الأقدار. مثلاً: جميع العاصفين باللغة، كما يعصف المؤلّف بالنوطات والعازف بالأوتار والفيلسوف بالأفكار، جميع هؤلاء من سلالة واحدة تفرّقهم طقوس عصورهم وتجمعهم جبهة الإنسان المتعدّد الوجه المتعدّد اللسان المتعدّد الزمان إلى حدّ التضاد والغربة، والمنتصبُ بوحدته المخيفة أمام الأعاصير يستفهم ويئنّ، يُؤمَّل ويُخْدَع، يَدقّ ويقتحم، يجترح المعجزات ويعجز عن إنقاذ نفسه، يكتب كالأستاذ ويكتب كالأخرق، بالوزن والقافية وبالنثر والهذر، بالحبّ ولو للذات، يكتب على العصور أوقاتها وتقلّباتها ولا يكتب تحت العصور. يعتصر روحَ عصره ويخترقُ هذه الروح العابرة بروح الشعر المستحيلة الانطفاء.



كلّ شيء
بين الأدباء مَن يكتب بغير دَفْق لا عن عقم بل عن حساب، اعتقاداً منه أنه إذا قال «كلّ شيء» فرغَتْ جعبته.
وهو ما نرى مثله عند الميسور البخيل: يربط نفسه عن السخاء ليستمتع بأمان «الخزنة». الفزعُ من العَوَز. وهو خلقة، ولا يُعْتِق منه إلّا هَوَسٌ أشدّ منه.
الكاتبُ كلّما تَدَفَّق تدفَّق. لا يعطي شيئاً مَن لا يعطي كلّ شيء. الادّخارُ حيلةٌ من حِيَل الموت.




? عند المُرْهَف
الدورةُ على الخوف الصامت. الآخر، الخوف المولول، يفرّج عن ضغطه بمجرد أن يقطع ظهر سامعيه. الدورةُ على خوفِ الخجول، الأنوف. هذا يختنق. لماذا لا يبوح؟ لأنّه متكبّر؟ بل لأنّه يخاف من خوفه.
عند المُرْهَف، الخوفُ أشدّ المشاعر خجلاً. إشارةٌ صغيرةٌ إلى سبب خوفه ترميه أكثر فأكثر بين أشداق الرعب. يعتقد أنّ سكوته على خوفه سيحميه. يرفض المثل أنَّ مَن سكَتَ على علّته مات بها. في نظره اذا عرف أحد بدواخله نشره على الحبل، طحنه بالفضيحة. يضمّ ساقيه ويحني قلبه اتّقاءً لصوتِ الثواني التي تمرّ.
الفاجر ينجو.



عابرات

لا يستطيع وجهكَ أن يكون إلّا عقاباً أو هديّة.

■ ■ ■

للعجزِ غَلَبات، منها البلاغة التي تشعّ بها نظرةُ مَن استعصت عليه الكلمات.

■ ■ ■

ثمّة قطيعة بين متحابَّين هي أفضل وسيلة لمواصلة الحبّ.

■ ■ ■

الغرورُ هو إحدى الحالات التي يشعر فيها الفراغ بأنّه امتلأْ.

■ ■ ■

يظنّ الأطفالُ أنّ العجائزَ يستطيعون إيصال طلباتهم إلى اللّه بأسرع الطرق. ويعتقد العجائز أنّ الأطفال «أقرب» مَن يصالحهم مع الملائكة. سوءُ فهم مريح، وتبادُل مسؤوليّات. المشتركُ الأكبر بين العمرين أنّهما لم يروّضا طفولتهما بعد.

■ ■ ■

أكثر ما يشتاقه الراشد في طفولته المفقودة هو ذلك الشعور اللذيذ بالخوف دون خطر...

■ ■ ■

الضحيّة لا تقتلها يدُ الجلّاد بل لامبالاته.

■ ■ ■

الجمالُ المصحوبُ بالحقّ جمالٌ كامل. الجمالُ المصحوبُ بالخير جمالٌ كامل وخيرٌ كامل وحقّ كامل.