في بانياس، وعلى بعد ستة أمتار من البحر المتوسط، فتح أحمد معلا عينيه أمام زرقة شاسعة. بعد سنتين، انتقلت عائلته إلى مدينة الرقة، فحلّ لون الطمي الفراتي محل الأزرق البحري. الألوان هي أول ما أثار انتباه الفتى الذي سبقه شقيقه طلال إلى معجمها المتلاطم. لا يزال يتذكر ديون المخزون البصري الأول على أعماله. كان الطمي «ذهباً في متناول الجميع والسقوط على التراب لا يؤلم لفرط هشاشته، والعواصف الرعدية والغبارية تجعل القيامة مسألة يومية في حياة الناس». لا يغيب الشعر عن كلام الرسام السوري الذي يقف على حدة، ليس بين مجايليه فقط، بل داخل المحترف السوري كله. المناخ السحري والإحساس الدهري صارا جزءاً من تكوينه الشخصي

، ومَنَحاه خيالاً طليقاً، ستظهر ترجماته المدهشة في أعماله.
بالنسبة إليه، «كل الأيديولوجيات التي نتعلمها لاحقاً وظيفتها أن تقصّ أجنحتنا وتقيّد عفويتنا». لذلك، سعى إلى تجنّب ما يقيّد طموحاته وأفكاره الغريبة.
في البداية، رسم على سترته، ثم على سترات الشبان وتنانير الفتيات. جرّب الطباعة والغرافيك بوسائل بدائية. استثمر براعته في الخط لصنع آرمات للمحال التجارية. اللهو المبكّر لم يمسّ الجدية الهائلة التي تعامل بها لاحقاً مع الفن. اختار قسم «الاتصال البصري» في «كلية الفنون الجميلة» في دمشق، لأنه عدّ ذلك علماً لا يُحصّل من دون دراسة، بينما يمكن تحقيق الكثير في الرسم بجهود شخصية.
في غاليري «مارك هاشم» حيث التقيناه على هامش معرضه الأوّل في بيروت، تعلو ضحكته الساخرة وهو يقول: «ظننتُ أن دراسة الاتصال البصري ستُدخلني مجال التصميم والغرافيك، حيث يمكنني الحصول على مال كاف كي أرسم على حريتي، لكن العكس هو الذي
حدث».
تخرّج أحمد معلا بدرجة امتياز شرف في العام 1981، ثم أنهى الدكتواره في «المدرسة الوطنية للفنون الزخرفية» في باريس العام 1987. في هذه الأثناء، ركز على الدراسة، طارداً أيّ حماسة أو رغبة متسرعة في إقامة معرض شخصي. هناك، تسرّب البعد الفلسفي والفكري إلى كل ما له علاقة بالتصميم الغرافيكي. تحوّل الرسم من مزاج متقلّب، وتقنيات إجرائية، إلى درس سيميولوجي تتدخل فيه البنيوية واللسانيات والفنون المعاصرة، وتفتح أمام الرسام الشاب أبعاداً جديدة جعلته يصدق طموحاته المختلفة والشائكة.
الترجمة الممكنة لكلّ ذلك حدثت بعد عودته إلى دمشق، وتعيينه أستاذاً في الكلية التي تخرج منها. ولأنه لم يكن غريباً عن أجواء الدراسة المفتقرة إلى مناهج واضحة، فضلاً عن ضعف الجانب العلمي والفكري فيها، سعى إلى تطبيق منهج علمي على طلابه: «من فضائل فترة التدريس في الجامعة أنها ساعدتني على الخوض في تحليلات عميقة لعملي نفسه. في السابق، كنت أعمل وأصل إلى نتائج من دون تحليل. مع طلابي، صرتُ مطالباً بـأن أعلِّل كل شيء، وأجد مرجعية واضحة، بعيداً عن ثنائية الجميل والقبيح التقليدية».
المقاربات الجديدة مع الطلاب حوّلته إلى أستاذ «فوضوي» و«ناشز» مقارنة بالطرق التقليدية والكسولة المتّبعة من أغلب زملائه المدرسين. هكذا أرهقَ طلابه بإنجاز ستين مشروعاً، بدلاً من ثلاثة مشاريع مقررة كل ثلاثة أشهر. توصل معهم إلى إعادة النظر في العديد من المسلمات الدراسية. اشتغلوا على أفكار وصياغات حاضرة في البيئة المحلية ابتداءً بالبهارات وانتهاءً بالمحارم الورقية. «حاولت تقصير المسافة بين ما يحدث في الجامعة والحياة الثقافية في الخارج. ناقشنا مسائل حديثة تتعلق بمنهج الصورة بما هي وسيلة اتصال مفتوحة على معان فلسفية وسيميولوجية. المشكلة أن ما قدمته لم يُرحّب به في ظل تقاليد جامعية راسخة في سباتها». يتنهّد مضيفاً: «لو أردتَ اليوم إنجاز بحث في كلية الفنون عن شخص اسمه أحمد معلا درّس هناك سبع سنوات، فلن يجدوا ما يقدمونه لك!».
أثناء التدريس، وبعده، يمكن القول ـــــ من دون مبالغة ــــ إنّ مواهب أحمد معلا، بدأت بالتفجّر وليس بالظهور. كانت معارضه المتتالية أشبه بعواصف قوية تهبّ على المحترف السوري، وتحفر له مكانةً متفردة راحت تتعزز بالبراعة الهائلة والمتنوعة لأعماله. بدأ ذلك بسلسلة معارض تحت عنوان «تجارب»، قبل أن ينزّه معجمه اللوني في جداريات ضخمة تتسع لحشود بشرية غير قابلة للتصديق أحياناً، لشدّة ما هي متقنة ومباغتة. بطريقة ما، تحولت الكتل البشرية المقحمة داخل مناخات قيامية أو محاكمات ما ورائية إلى فنّ شخصي أو ماركة مسجلة باسم معلا الذي واظب في الوقت نفسه، على ابتكار أفكار ومعادلات غرافيكية شديدة الذكاء والجاذبية.
لا يمكن وضع الابن الرهيب (والمدلل أيضاً) للمحترف السوري داخل ممارسة تشكيلية واحدة، لا بسبب تنوع نتاجه فقط، بل بسبب تجويفه المستمر لشغله وتحدّيه المتواصل لنفسه. «أعمالي ترجمة لفكرة أنني لا أريد أن أشتغل في خدمة أحمد معلا» يقول الرسام الحائز جوائز عديدة بينها جائزة أفضل ملصق خارجي في ميونخ (1988) و«جائزة البردة» للخط العربي (أبو ظبي 2007). لقد أدخل اللوحة إلى فضاءات طقسية تشترط على الجمهور طريقة محددة في التلقي، كما كانت الحال في معرض «ميرو بثلاثة أبعاد» (1994)، ثم دمج اللوحة مع السينوغرافيا المسرحية كما في «تحية إلى سعد الله ونوس» (1998)، وتشارك مع الموسيقي العراقي رعد خلف في خلق مناخات سمعية بصرية، ونحتَ مجتمعاً طينياً وعرضه فوتوغرافياً بالتعاون مع الباحث حسان عباس. إلى جانب ذلك، أنجز ديكورات سينمائية لافتة متعاوناً مع مخرجين مميزين مثل أسامة محمد، وعبد اللطيف عبد الحميد، واشتغل في الدراما التلفزيونية مع حاتم علي ونجدت أنزور، وفي المسرح مع فايز قزق وبسام
كوسا.
البراعة التي أظهرها معلا في جدارياته الحاشدة، ظهرت أيضاً في تجريداته الحروفية، وفي الملصقات التي أنجزها لمهرجانات سينمائية ورياضية، وفي شغله الغرافيكي الذي وجد في الثورات والاحتجاجات العربية الأخيرة فرصة لتقريب تصاميمه الذكية من طموحات الشعوب وأحلامهما بالتغيير.
نسأله عن سوريا التي وصلها الربيع العربي في نسخة مختلفة عن تونس ومصر، فيبدي قلقه من «التفسيرات المتضاربة» لما يحدث، منبهاً إلى «خطورة بعض الجهات التي تشجع على الخراب والفتنة». الرسام الذي أنجز جدارية ضخمة تدعو إلى حوار حول مستقبل مشترك بين السلطة والمجتمع، يقول: «الشعب يريد الإصلاح والمستقبل الحضاري، لا هدم البلد فوق الجميع. أنا من هذا الشعب. أنا مع من لا يريد حرق سوريا».




5 تواريخ


1958
الولادة في بانياس

1987
حصل على الدكتوراه في «الاتصال البصري» من المدرسة العليا للفنون الزخرفية في باريس

1988
أقام باكورة معارضه في دمشق
(غاليري أورنينا)، وحصل على جائزة أفضل ملصق خارجي في ميونيخ

1989
عمل أستاذاً في «كلية الفنون الجميلة»
في دمشق سبع سنوات

2011
عرض أعماله للمرة الأولى
في بيروت، وأنجز جدارية ضخمة تدعو إلى الحوار بين السلطة والشعب من أجل إصلاح حقيقي في سوريا