في أحد أيام كانون الثاني (يناير) من عام 1991، استيقظ سكان القاهرة على صورة غريبة نشرتها الصحف. تشكيلي مصري مشى في شوارع المدينة بصحبة عائلته، وهو يرفع لوحة تندِّد بمشاركة قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة في حرب الخليج. منذ تلك الحركة الاحتجاجية العائلية، ومحمد عبلة (58 عاماً) لا يتوقّف عن التظاهر. عاش كلّ أيام ثورة «25 يناير» في «ميدان التحرير»، يمسك الريشة، والألوان، والكاميرا، ليلتقط كلّ تفاصيل تلك «الأيام الطاهرة»، كما يصفها.


ويتمنى لو عادت تلك الأيام من جديد ليتمكّن من استيعاب ما جرى بصورة أفضل. يعدّ نفسه مبشّراً بالثورة في لوحاته السابقة. كثيراً ما خصص عبلة مساحة لوحته ليتأمل علاقته بالمدينة بكل تناقضاتها. رسم فوضاها وازدحام الكتل البشرية فيها، وأظهر قبح عشوائياتها من دون أن يشكو منها.
لا يشعر هذا التشكيلي بالحرج حين تتهمه بـ«تسييس الفن». هو يصبو إلى عيش دوره مثقفاً ملتزماً بالمعنى السارتري للكلمة. في هذا السياق، تبنّى عام 2007 حملة شعبيّة من أجل وقف تهجير أهالي جزيرة القرصاية، الواقعة في قلب نيل القاهرة وتفصل بين حيّ المعادي الراقي وأحياء عشوائية في الجيزة. الجزيرة الخلابة أغرت حفنة من رجال الأعمال، في عصر مبارك، فأرادوا الاستيلاء عليها، وتشريد أهلها من الصيادين البسطاء. وقف عبلة مع الأهالي، وابتكر لهم أساليب نضالية جديدة، من حفلات غنائية وعروض أفلام «فيديو آرت». في النهاية، نجح في استصدار أحكام قضائيّة تحفظ لهم حقهم ...
لا بد من الاشارة هنا إلى أن تضامنه لم يأت من فراغ بالطبع. هو من سكان هذه الجزيرة، فيها يزرع قطعة أرض صغيرة إلى جوار بيته ومرسمه. مفهوم الالتزام عنده تشعّب، ليؤسّس عام 2009 متحفاً للكاريكاتور في قلب الريف المصري في الفيوم، ويجعله مقصداً لفنانين من مختلف أنحاء العالم.
منذ طفولته في مدينة بلقاس (المنصورة) ومحيطه ينظر إليه كطفل متمرّد. يرتاح هو إلى هذه النظرة. «طوال 40 عاماً من الرسم، اكتشفت أنني في صدام دائم مع أي محاولة للتصنيف. كل يوم، أبحث عن فكرة أو مسار جديد. برأيي، إنّ أي فنان يتقولب وفقاً لشروط السوق سينتهي حتماً».
يجد محمد عبلة في السؤال عن مدى انسجامه مع فكرة الحداثة سؤالاً لا معنى له. الحداثة من وجهة نظره لا ترتبط بالتقنية، بل بالسياق الزمني. حداثة اللوحة تنبع برأيه من قدرتها على التعبير عن زمن إنجازها. حملت العديد من لوحات عبلة، المبشّرة بالثورة، بصمة أشبه برسوم الغرافيتي. في بعضها المرسوم قبل عقد من الزمن، شعارات تشبه تلك التي كتبها ثوار «ميدان التحرير»، إضافةً إلى وجوه لرجال الأمن. واصل هو ممارسة الغرافيتي منذ أن أدرك فعاليته خلال سنوات إقامته في أوروبا أوائل الثمانينيات.«فنان الغرافيتي في الغرب يحتجّ من خلال تشويه الجمال البارد، ومواجهة الزيف، والتنميط، وبالتالي فهو عمل ثوري من وجهة نظر صاحبه. أمّا في عالمنا العربي، فالكثير من الشوارع لم تعُد بحاجة إلى التشويهات، فهي مشوّهة بما يكفي. وفي أحيان كثيرة، يأتي الغرافيتي ليخفّف من قبحها».
بالحديث عن طفولته، يعود بنا إلى الأعوام التي تلت ثورة تموز (يوليو) 1952. «كان الوعي بالثورة وأهدافها جزءاً من تكويني، ولا أزال أتذكر أحاديث أبي عن مقاومة مصر للعدوان الثلاثي (...) الجميع كان مؤمناً بجدوى مشروع جمال عبد الناصر، بمن في ذلك أبي تاجر القطن الذي تضرر من إجراءات التأميم ... لكنّه ظلّ على إيمانه بحلم التحرر».
كل هذه التحولات ساهمت في تكوّن وعي هذا التشكيلي، إلى جانب المناخ الثقافي الغني في مدينته الأولى حيث المكتبة العامة، والمسرح، وصالة السينما ... هذا المناخ على ثرائه المعرفي الكبير، لم يمكّن عبلة من العبور بأمان إلى الجامعة. فقد التحق بكليّة الفنون الجميلة في «جامعة الاسكندرية»، ضد رغبة والده الذي قال له «لن أنفق عليك ملّيماً في كلية ليس فيها مستقبل لمتخرّجيها». قبل عبلة التحدّي. خطا خطوته الأولى في جامعة تنازعها تياران يساري وإسلامي، وتتلمذ فيها على أيدي أساتذة كبار، أبرزهم سيف وانلي وماهر رائف.
وسط السجال السياسي والفكري المحموم في الجامعة، تمتّع باستقلال فكري نسبي، لم يمنعه من اعتناق البهائية لمدّة عام، أو من الانخراط في قراءة عن البوذية وممارسة اليوغا وتعاليمها. تعرّف إلى فلسفات مهمة، واعتاد الانسجام مع الطبيعة ... لكن هذا الانخراط لم يدم طويلاً، بسبب تجربة «موت لحظي» مر بها إثر استنشاقه الغاز. وهي برهة مكّنته من تأمل حياته وهو خارجها، ليعود بالحكمة القائلة «لكي تعرف، لا بد من أن تكون مستعداً لدفع
الثمن».
أثمان غالية دفعها محمد عبلة ليصل إلى مرحلة التكريس، بدأت بفقر مدقع عاشه مع مجيئه إلى القاهرة. تجربة دفعته ليكون أكثر جديّة في التعامل مع حياته. واصل دراسته معتمداً على دخله الذاتي. عمل دهّاناً، ومصمّم لوحات إرشادية تعليمية لطلاب المدارس، ورسام مناظر في الشوارع، وعازف ترومبيت مع فرقة أفراح شعبيّة، إلى أن التحق بخدمة العلم في القاهرة. خدم على قمّة جبل المقطم عاماً كاملاً، تمكّن خلاله من رؤية القاهرة من أعلى نقطة فيها، وهي رؤية طبعت لوحاته عن المدينة في فترة لاحقة.
حظي معرضه الأول عام 1979 باستقبال استثنائي، وكتب عنه بيكار وكمال الملاخ وفتحي أحمد، وهم رموز النقد التشكيلي في تلك السنوات. لكنّ هذا الاستقبال الدافئ لم يمنع عبلة من التشكُّك بنيّات القاهرة. رغم أنّ خطواته قادته إلى مقهى «زهرة البستان»، حيث اختلط برموز الحياة الثقافية، بقيت المدينة موحشة بالنسبة إليه. لكنّ وحشتها ضاعت حين قارنها بوحشة مدريد التي ذهب إليها في منحة دراسية. في إسبانيا، أمضى معظم وقته متجوّلاً يرسم في الشوارع، ويعيش من عائد مهنته إلى أن تمكّن من تدبير فرصة للسفر، فطاف في أنحاء أوروبا بالقطار. استقرّ في ألمانيا، ومنها إلى النمسا لدراسة «الغرافيك»، فسويسرا حيث درس علم النفس، وكان أوّل أجنبي يفتتح عيادة للعلاج بالرسم. بقي هناك حتى عام 1985، بعدما أنجبت زوجته السويسرية ابنه البكر إبراهيم. «عدت لأني كنت أفضّل أن يتربّى ابني في مصر»، يقول. «في الغرب وجدت استقبالاً إيجابياً كفنان عربي، لأنني قبلت بمفهوم الاندماج من دون التخلي عن خصوصيتي».




5 تواريخ


1953
الولادة في مدينة
بلقاس (مصر)

1975
التحق بـ«كلية الفنون الجميلة»
في «جامعة الاسكندريّة»

1980
أقام معرضه الأول
في ألمانيا

1998
حاز جائزة
«بينالي الاسكندرية»

2011
أقام معرضه الجديد «أضواء المدينة»
في قاعة «زمالك آرت غاليري»