بين شيخ الجبل حسن الصبّاح (ولد في اليمن سنة 447 هجرية) والشيخ أسامة بن لادن ذي الأصول اليمنية، عشرة قرون تبدو كلمح البصر. ولولا الفرق المذهبي، الأول شيعي إسماعيلي والآخر سني وهّابي سلفي، لخلناهما أباً وابنه. كان أحد التحدّيات الكبرى أمام الإسلام ولا يزال الفصل بين الصورة الجهاديّة العنفيّة وصورة الدين الإنساني. مشكلة لن يحلّها الغرب، مهما تصلّبت مواقفه من الإسلام أو تراخت، وإنّما المسلمون ذات يوم.


■ ■ ■

أنشأ حسن الصبّاح أوّل فرقة فدائيين في تاريخ الإسلام، قيل إنّ عدد مقاتليها بلغ عشرين ألفاً. درجت تسميتها بـ«الحشّاشين»، روّعت محيطها بالاغتيالات ونشرت الرعب في جميع المناطق التي غَزَتها من فارس إلى بلاد الشام. وقيل في شرح التسمية إن المنشئ عوَّد جنوده التحشيش (بالحشيشة أو بالأفيون) ليتشجّعوا على الفداء، وقيل ـــــ كما يؤكّد أمين معلوف في كتابه «سمرقند» ـــــ لأنّ الإسماعيليين هم «أساسيّون»، إشارة لعودتهم إلى الأصول، ومنها انتقلت الكلمة إلى اللغات اللاتينيّة حيث أصبحت «أسّاسان»، واستعارها رمبو في أشعاره («هوذا آتٍ زمن الحشّاشين...») فراجت ملتبسة. (للراغب في التوسّع بموضوع الإسماعيليّة مراجعة موسوعة الاختصاصي عارف تامر «تاريخ الإسماعيليّة»، دار الريّس).
اختار حسن الصبّاح قلعة «آلموت» على قمّة جبل شاهق في خراسان ببلاد فارس ليباشر تأسيس فرقته. ومن هذا الحصن المنيع المحاط بالطبيعة الوعرة انطلقت دعوته الجهاديّة إلى أواسط إيران وشرقها، وصولاً إلى قزوين ثم كوهستان امتداداً إلى نهر جيحون، حتّى بلغت سوريا ولبنان وتمركز أصحابها ومريدوها في القلاع والحصون المنيعة بين بانياس ومصياف والقدموس والكهف والخوابي والسلميّة، بلوغاً في لبنان إلى عكّار وطرابلس. حسن الصبّاح، «شيخ الجبل» (الحسن بن الصبّاح بن علي بن محمد بن جعفر بن الحسين بن الصبّاح الحِمْيَري، وكان عالماً بالهندسة والحساب والفلك، ولد عام 444 هـ. بمدينة طوس، ومصادر أخرى تقول مدينة قم، وتتلمذ لأحمد بن عطاش. نشأ في ظلّ أسرة شيعيّة وجيهة ومثقّفة، وثمّة مَن يقول إنها زيديّة، وآخر إنها اثنا عشريّة، ومات في «آلموت» عن أربعة وسبعين عاماً، وبعضهم يقول إنه مات في طوس عن تسعة وتسعين عاماً. أمّا قلعة «آلموت» فقد سقطت بيد السلطان مسعود السلجوقي بعد وفاة الصبّاح بستّة وعشرين عاماً، فيما سقطت سائر القلاع بأيدي المغول. وقد تمكّن إسماعيليّو الصبّاح من إقامة بضع دويلات في إيران والشام ما بين 470 ـــــ 650 هجريّة من خلال السيطرة على القلاع التي حوّلوها إلى مراكز قيادة عسكريّة. وتقول دراسة للشيخ عبد الله خليل الحمد التميمي إن الصبّاح كان من أعيان الباطنيّة في عهد السلطان السلجوقي ملكشاه قبل أن يصير من كبار دُعاة الإسماعيليّة وتنتشر دعوته في أصفهان وما حولها. ولما أُخرج منها «طاف بالبلاد ودخل مصر وأكرمه «المستنصر» العبيدي وأعطاه مالاً وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته، فعاد إلى الشام والجزيرة وديار بكر وطاف ببلاد الروم (آسيا الصغرى) وعاد إلى خراسان ثم دخل مدينة كاشغر وما وراء النهر، داعياً إلى إمامة «المستنصر». وسنة 483 هـ. استولى على قلعة «آلموت» التي كانت لملوك الديلم (...)». وتقول الدراسة إن الصبّاح كان يختار عناصر جيشه من بين الفِتية ويدرّبهم تدريباً شاقّاً «فيصبحون أطوَع له من أصابعه (...) وكانت الأسر الإسماعيليّة تتبرّع بأبنائها لترسلهم إليه حتّى يجاهدوا في سبيل توسيع الدعوة». وكان من عادات «الحشّاشين» في تنفيذ الاغتيالات التنكّر بملابس الصوفيّة أو ارتداء ثياب النساء والشحّاذين أو الانتظار في صفوف المصلّين. وكان كثيرون من الزعماء والقادة والقضاة المسلمين لا يباشرون أعمالهم، كما تؤكد دراسة التميمي، «إلّا وهم لابسون قمصان الزرد حمايةً لأنفسهم من خناجر الحشّاشين المسمومة».
«آلموت» بالفارسيّة تعني «عشّ النسر»، أو «درس النسر» أو العُقاب. وكانت القلعة ترتفع، على ما يصفها أمين معلوف في كتابه الممتع «سمرقند»، على علوّ ستّة آلاف قدم، تنتشر حولها الجبال الجرداء والبحيرات المهجورة والصخور، ويجري بين الجبال نهرٌ جامح لُقّب بـ«النهر المجنون». اختار الصبّاح هذا الحصن المنيف مركزاً لقيادته ومدرسة وثكنة لطلائع جنوده ورفاقه من الدُعاة الناشئين، حيث يستطيع أن يؤسّس بأمان لخططه في مواجهة السلاجقة. وقد بقيت «آلموت» مقرّ «الحشّاشين» حقبة 166 سنة، ودفع الصبّاح لاقتنائها عام 1090 مبلغ ثلاثة آلاف دينار ذهباً.
لم يُعْرَف عن بن لادن الكاريزما التي عُرفت عن الصبّاح. كلاهما مقاتل ميداني، لكن الأوّل اختلط نشاطه العسكري بالدين حدّ ادّعاء الإمامة والانتساب إلى نسل نزار، أمّا الثاني فلولا الوسائط الإلكترونيّة لما شعّ له حضور. ولم يُعرف عنه اجتهاد ديني ولا إضافة ولا حَذْف. لقد جدّد حسن الصبّاح دماء الإسماعيليّة وأطلق لها العنان في معظم ديار الإسلام عرباً وعجماً، ولم يستطع بن لادن أن يكون أكثر من إرهاب أعمى في مواجهة إرهاب دُوَلي متطوّر. كرّهت البن لادنيّة العالم بالإسلام وأكثر من فتكت بهم «القاعدة» هم مسلمون. وصلت الأمور بالتردّي العنفي الإسلاموي حدّ اقتناع الكثيرين بأن «القاعدة» اصطناع أميركي لـ«عدوّ نافع» وأن التطرّف الإسلامي فخّ صهيوني. وفي هذا أيضاً قواسم مشتركة بين الشيخين: مسلمو عصر الصبّاح السنّة عانوا الأمرّين على يد فرقته، والمسلمون على اختلافهم، ناهيك بـ«الصليبيّين»، عانوا الأمرّين من فتك «القاعدة». غير أن سِنان راشد الدين، الذي تولّى زعامة الإسماعيليّين في بلاد الشام، قد ذاع له صيت في محاربة الصليبيّين. ولقد تربّى في «آلموت» وجاء إلى بلاد الشام سنة 558 هـ. وعاش حتّى 588 ودُفن في بلدة مصياف السوريّة.

■ ■ ■

يُقدّم تاريخ المذاهب الإسماعيليّة صوراً أليمة لمعاناة الشيعة عموماً والفرق الشيعيّة المغالية خصوصاً من اضطهادات السلطات الرسميّة لها. وحتّى نكون أكثر دقّة، ينبغي أن نضيف أن الشيعة لم يقصّروا في التصارع بعضهم مع بعض، ولضرب مَثَل صغير واحد نستشهد بالمقطع التالي المأخوذ من كتاب الباحث الاختصاصي هنري كوربان «عن الإسلام في إيران» (الجزء الأول، ترجمة نوّاف الموسوي، دار النهار) حيث يقول إن «الفرق الجوهري بين التشيُّع الإمامي والشيعيّة الإسماعيليّة، الإسماعيليّة المعاد تشكيلها في «آلموت» (ويقصد قلعة حسن الصبّاح) على الأقل، يبدو حول مسألتي النبوّة والإمامة، لأنّ العِرفان الإسماعيلي استَنْتَجَ من تقدّم الولاية على نبوّة التشريع، تقدّمَ شخص الإمام على شخص النبي». «وبلا ريب ـــــ يتابع كوربان ـــــ فإنّ هذا الاتجاه كان كامناً منذ بدايات التشيُّع، وقد لا تكون إسماعيليّة «آلموت» إلّا أمينة لهذا الاتجاه. ولكن يترتّب على ذلك تحوّل جذري في الإسلام إلى محض دين للروح، ويترتّب على إلغاء الشريعة استباقٌ للآخرة، أي استباق للتحرير، الذي سيُتمّه الإمام الأخير، المهدي، حين يفتح عصر المعنى الروحي المحض للرسالات النبويّة».

■ ■ ■

تنتقل بنا جملة «تحوّل جذري في الإسلام إلى محض دين للروح» ناحيةَ مَلْمَح آخر من القضيّة التي يعيد فتح ملفّها على مصراعيه مقتل بن لادن.
يسرح الفكر بين نموذجي بن لادن وغاندي. يبدو الأوّل أقرب إلى «الطبيعي». العنف طبيعي. العالم مَصْنَعُ عنف. المسالمة في عالم عدواني حالةُ إذعان أو قداسة. الغرب يُعنّف الشرق بالهيمنة والاستغلال فلمَ لا يعنّفه الشرق ـــــ الشرق الإسلامي تخصيصاً ـــــ بالإرهاب؟ يتشاوف الغرب بالتفوّق التكنولوجي والرفاهية فلمَ لا يتباهى الشرق بقدرته على الموت؟ الغرب يتفاخر بالحريّة والعقل فلمَ لا يتفاخر الشرق بالباطنيّة والمكر وقناع الالتباس المخيف؟ لقد ارتضت ديار الإسلام، بعد الخروج من الأندلس، الانزواء تحت عباءة الاستعمارات الغربيّة، ألم يحن الوقت لكي تستوي كفّة القاهر مع كفّة المقهور؟ الحقّ أنّ الإسلام، عندما يلبس قميصه الثوري، لا يناقض تاريخه. لقد حوربت الحركات الثوريّة، كالزنج والقرامطة والإسماعيليّة، تحت ستار محاربة الزندقة والهرطقة و«الدسّ اليهودي على الإسلام»، لكنّها في الواقع أرعبت السلاطين والأنظمة لأنها حركات ثوريّة كان الفقراء والعمال والفلّاحون عمادها الأساسي، وغالباً ما استهدفت بسهامها طغاة متجبّرين وأوضاعاً متعسّفة متحجّرة لا ترحم. وإن يكن بعضها قد أخذ في طريقه مقدسات دينيّة فبمثابة الرمز لما تمثّله من طغيان سياسي يحتمي وراءه حكّامٌ ظالمون. لا تستطيع الثورة الدمويّة أن تكون «مسيحيّة» وتستطيع الثورة الدمويّة أن تكون «مسلمة». الجهاد إسلامي. مؤسّسو الإسلام مقاتلون. البطولة الجسديّة شيمة إسلاميّة. الإسلام دينُ مغالبةٍ لا دينُ استسلام.
تحويل الإسلام إلى دين محض روحي مهمّة عظمى، وتحدٍّ هائل، ولعلّ فيه مفتاح «الصحوة» الإسلاميّة الحضاريّة شرط أن يقيم المعادلة الصحيحة بين القراءة التاريخيّة والقراءة اللاهوتيّة، لكن الإسلام إلى اليوم لم يحقّق هذه المعادلة، والذين قاربوها من المفكّرين المعاصرين في مصر وبلاد المغرب إمّا كُفّروا وإمّا لجأوا أصلاً من تلقائهم إلى الكتابة باللغات الأجنبيّة.
لا يبدو غريباً أن نطالع رثاءً عاطفيّاً بأقلام ثوريّة في الصحف العربيّة لأسامة بن لادن ولا أن يقيم أحد الشيوخ صلاة الغائب على روحه ولا أن يحيّيه الكثيرون على مقامه المؤكّد في جنان الخلد. الإسلام ليس دين اللاعنف، والفكر الإسلامي فكرُ فحولةٍ حتّى في التصوّف. الإسلام لا يحتاج إلى بني لادن كثيرين لينشر عن نفسه صورة البأس، بل هو بحاجة إلى ألوف المفكّرين والفلاسفة والأدباء والفنّانين من النسيج النقيض لبن لادن وعلى مدى طويل ومتواصل لكي يرسّخ في الأذهان صورة عنه تُسقط أشباح السيف والرمح والخنجر والغزو وإيثار الاستشهاد على السلامة، دفعاً للظلم ومناصرةً للحقّ وذوداً عن الحياض. ربّما يتلخّص التحدي الأكبر في تجريد عبارة «الله أكبر!» التي يهتف بها المتظاهرون والجيوش من محتواها العنفي الدموي لتقتصر على التسبيح الروحي. تخليصها في الدعاء الفردي الصامت خصوصاً. هل نصل في أحد الأيّام إلى إلهٍ نتباهى بعذوبته ونحتمي بشفافيّته وننشد له مزامير الحبّ؟

■ ■ ■

يومَ ينعتقُ الفكر في العالم الإسلامي من الوصاية الدينيّة سيكون يوماً فاصلاً في التاريخ. سيكون انبعاثاً للعرب وللمسلمين. لقد حاول أتاتورك وبورقيبة شيئاً من هذا، غير أن محاولتهما اقتصرت على زمن ولاية سياسيّة. لا يؤسّس للعلمانيّة غير المفكّرين والأدباء والمربّين، ولا يُكافَح السَلَفيّون والمتعصّبون بالرصاص بل بالثورة العقليّة التي لا تهاب.
نحن المسيحيين العرب أكثر مَن يتألّم لمرأى الفكر العربي والأدب العربي والمثقّف العربي مكبّلين بأَغلالِ التزمُّت الديني مقموعين في مهود رؤوسهم. ليس مشرّفاً مشهد نجيب محفوظ مُصرّاً في آخر حياته على إذن من الأزهر لإعادة نشر ثلاثيّة «أبناء حارتنا». ليست مشرّفة حادثة «أعشاب البحر» و«آيات شيطانيّة». ليست مشرّفة صفحة الطالبان و«القاعدة» وبن لادن. نحن نتألّم ربّما أكثر من المسلمين لأنّنا نتحمّل معهم وطأةَ هذه الهيمنة رغم كوننا مسيحيّين. ولكنْ ماذا تنفعنا مسيحيّتنا ما دمنا نكتب بالعربيّة واقعين هكذا تحت سلطة إرث اللغة ذاتها بمحرّماتها ومحلّلاتها؟ هذا لنقول إننا لا نتظاهر بالمشاركة في الألم ولا نعمل عملاً منافقاً ولا تحريضيّاً بل هو ألم المظلوم مرّتين.
لن نكتب مرثاة لبن لادن وسنزداد رَفْضاً لـ«الحضارة الأميركيّة». الصبّاحيّة ظلاميّة والبن لادنيّة إغراقٌ في الظلام. ربّما كان لحسن الصبّاح عذره في زمن القوافل والشموع ولكنْ أيّ عذر لظلاميّة في عصر لم يعد الظلام يُطْلَق فيه إلّا على التعصّب؟
صراعاتٌ على السلطة لا أثر فيها لشيء يدعى الحريّة. قتلٌ وانتحار ولم يسفرا إلّا عن تقدّم «العدوّ». سنظلّ نحلم للمسلمين، ولنا معهم، وللحالمين منهم بأن يستيقظوا.