«لن أتخلَّى عن الكتابة إلّا حين أشعر بأنّني أنجزت مهمّتي في فضح الفساد والعيوب التي في الخارج وفي الداخل». هكذا تحدث إلينا رشيد نيني ساعات قبل اعتقاله لدى السلطات المغربية يوم 28 نيسان (أبريل) 2011. ولد هذا الصحافي المغربي في عام 1970، في مدينة ريفية صغيرة، قريبة من الرباط، اسمها بنسليمان. مدينة ذات طابع بدوي، وجلّ أبنائها نوابغ متواضعون، أو شجعان تنقصهم الحيلة. اليوم، يجدون في رشيد نيني قدوة ومثالاً. وشجاعته في قول الحقيقة والدفاع عنها، كانت سمة بارزة في شخصيته منذ كان طالباً في «كلية الآداب والعلوم الإنسانية» في الرباط. عرف عنه الاتزان والظُرف. تخفي بنيته الجسمانية رياضياً مواظباً. انخراطه في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب جعله يصبح باكراً ذلك «الولد المر» الذي سيعرفه ويحبه الجميع، من سائق التاكسي إلى الموظف الغلبان.


من كلية الآداب في حي أكدال (حدائق بالأمازيغية)، امتدّ به الخَطْو إلى شارع علال بنعبد الله، حيث مقر جريدة «العلم». كان يواظب على قراءة الجريدة المعلقة على الزجاج، وبعد أيام صعد إلى الطبقة الأولى حيث مكتب رئيس التحرير عبد الجبار السحيمي الذي سيفضل، فيما بعد، رشيد على غيره من الصحافيين. بدأ يكتب في الصفحة الأخيرة عموده الأسبوعي: «بنات أفكار». كان السحيمي يختبر الكُتّاب الجدد من خلال حضّهم على كتابة العمود الأسبوعي. وبعد اشتداد العود، يترك للصحافي فرصة الكتابة كل يوم. غير أنّ رشيد كان منذ البداية مستعداً للمعترك اليومي. قوة تعبيرية جعلته قريباً جداً ـــــ ربّما أكثر من اللزوم ـــــ من
السحيمي.
كان رشيد يجتمع به في مكتبه لما يقرب نصف ساعة يوميّاً، ثم يخرج بأفكار تكفي لشهر. ولم تكشف زاوية «بنات أفكار» عن شاعر فقط، بل عن كاتب قصة من الطراز الأول. وهذا ما جعل القاص محمد عزيز المصباحي يعترف ذات ليلة بأن رشيد قاص خطفه الشعر، ولن يطول به المطاف إلا ويعود إلى رشده، ويكتب القصة. وهذا ما حصل فعلاً عندما كتب «يوميات مهاجر سري» عن إقامته في الديار الإسبانية منذ 1997 حتى أواخر التسعينيات. الكتاب الذي جعل الشعراء ينسون رشيد الشاعر صاحب مجموعة «قصائد فاشلة في الحب».
كانت أولى معارك نيني مع الشاعر محمد الأشعري، أيّام ترأس الأخير «اتحاد كتاب المغرب» (1989 ـــــ 1996)، الأشعري الذي سيصبح لاحقاً وزير ثقافة، نوّه بالصحافي الشاب الذي تقدّم بمجموعة شعريّة لجائزة «اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب» عام 1993. حضر نيني حفلة توزيع الجوائز، لكنّه شعر بأنّ التنويه إهانة أكثر منه تقديراً لموهبته. عاد إلى بنسليمان، وكتب مقالاً نارياً ينتقد فيه الحفلة والجائزة واتحاد كتاب المغرب ورئيس الاتحاد، ما اضطر الأشعري إلى الرد. شاعر من حجم الأشعري يرد على اسم مغمور، على شاب بالكاد تجاوز العشرين! تلك كانت نقطة الانطلاق في رحلة الصعود التي لم يأت السجن إلا ليزيدها ترسيخاً.
كان العديد من الكتاب يتمنّون الرد على رشيد، لكنّ فارق العمر والمنزلة الأدبية منعهم من ذلك. ألم يكتب رشيد عن محمد برادة وأحمد المديني ومحمد الهرادي؟ ولم تكن كتاباته تلك تنمّ عن طابع سجالي صحافي، بل عن موهبة في النقد الأدبي. قارن مثلاً بين رواية «أحلام بقرة» لمحمد الهرادي وبين نص «تحولات الجحش الذهبي»، رغم أنّ نص الهرادي قائم بذاته، وهو من صميم خيال كاتبه المؤمن بالسخرية والمسخ تقينةً في الإجابة عن أسئلة الإنسان وهو في غمرة تجربة الوجود. لم يكن رشيد يقصد الإساءة لمن ينتقدهم، بل كانت كتابته شبيهة بمحاولة جرّهم إلى اللهو معه. تلك كانت لعبته المفضلة، هي الكتابة التي تتضمن إفشاء السر أو فضح عيب من العيوب. ولو كانت كلماته فيها كاميرات لبدت ابتسامته الساخرة على كل
كلمة.
عموده اليومي «شوف تشوف» في الصفحة الأخيرة من جريدة «المساء»، التي تصدر كل صباح، يكشف عن صحافي مهووس بالفضح وبقلب تربة الأرض بعنف. وكذلك الأمر في «يوميات مهاجر سري»، حيث يرسم مرارة الكائن المعجونة بالسخرية والإفشاء. آمن رشيد بذلك الكتاب جواز عبور إلى عالم الكتابة الأدبية المرتبطة بالواقع، والمصوغة بأداة لغوية جميلة قوامها الاستعارة الخفيفة والجملة الرشيقة والخيال الجامح.
ذلك الشكل أملته طبيعة الحياة التي عاشها نيني مهاجراً سرياً في مدينة الميرية الإسبانية. كان قد هاجر إليها بعدما ضاقت به الأرض في الرباط وبنسليمان، مدينته الأم. اشتغل المهاجر السري، أو غير الشرعي، في ميناء المدينة حمالاً، من دون أن ينسى «كلية الآداب» التي سجّل فيها دكتوراه السلك الثالث تحت إشراف الأستاذ أحمد اليابوري. بعد العودة من الميرية عمل في جريدة «الصباح» برفقة الصحافي السوداني طلحة جبريل. وعندما ضاقت بمواقفه «الصباح»، انتقل إلى شاشة القناة المغربية الثانية، ضمن فريق نشرة الأخبار. هكذا وجد نفسه فجأة في القناة الثانية، في الدار البيضاء، مقدّماً النشرة أو معلقاً على أحداث دولية ووطنية.
من هناك انتقل إلى تأسيس جريدة «المساء» في عام 2006. حرص على كتابة «تصدر كل صباح» في غمز واضح إلى جريدة «الصباح» التي غادرها غاضباً متمرناً، خبيراً بالنشر وأسراره. مع جريدة «المساء» أصبح للمغرب جريدة قوية، مستقلّة، حرة في القول والتعليق والتحليل. حققت أرقاماً خيالية لم تبلغها أي جريدة مغربية. وتحوّل عموده اليومي على الصفحة الأخيرة «شوف تشوف» إلى مرصد لحال البلاد. لكنَّ السلطة لم تقبل جريدة يقرأها كل الناس، ويعرفون عبرها الأسرار الدفينة، وكواليس اختلاس المال العام، والرشى، وخروقات القضاء، وتقاعس المسؤولين. عندما بدأت الثورات العربية في ربيعها المؤرق للسلطة، صعَّد نيني من وتيرة الفضح والتعرية، فخافت الرؤوس من سيف العدالة التي استيقظت تحت ضغط جماهيري شرس. عندها كان لا بدّ من إخراس القلم الأحمر. هكذا اعتقل في 28 نيسان (أبريل) وأودع سجن عكاشة في الدار البيضاء. لكن «المساء» ما زالت تصدر كل صباح، وقد تطوع محامون دوليون للدفاع عن مؤسسها، على أمل أن يخرج القلم المشاكس، ويواصل مهمّته الأثيرة...




5 تواريخ

1970
ولد في مدينة
بنسليمان (المغرب)

1995
عمل صحافياً متعاوناً
في جريدة «العلم»

1997
هجرته السرية إلى الميرية
في إسبانيا، وثّقها لاحقاً
في «يوميّات مهاجر سري»

2006
أسس صحيفة «المساء»
التي تحوّلت إلى أكثر الصحف مبيعاً
في المغرب

2011
اعتقل في نيسان (أبريل) الماضي
على خلفية كتاباته الجريئة في فضح الفساد، وما زال نزيل «سجن عكاشة»
في الدار البيضاء