يعطي الطبيب المصري الشهير محمد أبو الغار نموذجاً جميلاً للمثقّف المصري. فهو أكاديمي ناجح، واختصاصي عالمي في طب النساء والتوليد، خاض في غمار العمل العام، ليقفز اسمه قبل سنوات في مقدّمة معارضة مدنية ناشطة. في عام 2003، أسس مع نفر من الأكاديميين حركة «9 مارس» لاستقلال الجامعات، ثمّ واصل عمله مع حركة «كفاية»، وكان من أوائل من التفّوا حول محمد البرادعي وكوّنوا نواة «الجمعية المصريّة للتغيير».


عكست مساهمات أبو الغار في الصحافة المصرية وعياً ثقافياً استثنائياً، فهو من أبرز نقّاد الأعمال التشكيلية والمقتنين لها. أخيراً، أصدر طبعة جديدة من مذكراته عن «دار الشروق»، وهي بعنوان «على هامش الرحلة»، مع مقدّمة تحمل توقيع الروائي السوداني الراحل الطيب صالح الذي قارن أبو الغار بابن سينا وابن رشد وعلماء العرب القدماء، ممن «كانت (...) أريحيتهم الذهنية وتسامحهم الروحي يستطيعان جمع شمل الأفكار المتناقضة والمؤثرات المتضاربة». ولم يفت صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال» التذكير بسمة طاغية على شخصية أبو الغار وهي التواضع. فتحت «بساطته الظاهرة وابتسامته الحية، يخفي علماً غزيراً وعقلاً حاد الذكاء، وتجربة حياتية كبيرة».
يعترف أبو الغار في، مذكراته، بأنّه لا يعتقد بأنّ حياته تستحق أن تنشر في كتاب، لكنّه عندما راجع حياته وجد أنّ «الوطن كان دائماً يلعب دور البطولة». هذا الوعي بالوطن، لم يدفع الرجل السبعيني إلى العمل السياسي المباشر طوال 50 عاماً من تعاطي الشأن العام. إذ يرى الرجل وهو يراجع تجربته أنّه «يساري» على طريقته، وليس وفقاً لحسابات التنظيمات المعقدة. يؤكد أنّ انحيازاته «ظلت دوماً لمصلحة فكرة العدالة الاجتماعية وللحرية بمعناها العميق».
في هذا النص الأوتوبيوغرافي، نقع على أعمدة ارتكاز تأسَّس عليها عقله الذي يشبه بيتاً كبيراً كبيت عائلته. هي نموذج مبهر من نماذج الطبقة الوسطى التي تآكلت، وبغيابها فقد المجتمع ـــــ على حد قوله ـــــ الكثير من أسباب حيويته. تبدأ المذكرات بعين راصد ذكي لسنوات العشرينيات من القرن الماضي. يتوقف أمام حياة جدِّه تاجر القطن في شبين الكوم الذي نال قدراً معقولاً من التعليم في ذلك الوقت، وأصرّ على تعليم بناته. يتذكّر الجد الذي كان في سنوات عمره الأخيرة يجمع أحفاده ليقرأوا له صحيفة «الأهرام».
أمّا والده فكان موظفاً في بنك التسليف الزراعي في المنوفية، وصار بعد ثورة 1925 مديراً للبنك في القاهرة. وفي مقابل عائلة الأب ذات الأصول الريفية، كانت عائلة الأم أكثر انفتاحاً، إذ كان جده لأمه وكيلاً لشركة «ماركوني» الإيطالية للاتصالات اللاسلكية في مدينة السويس، ونشأت والدته في مدينة منفتحة ونالت قسطاً من التعليم، وكانت تعزف على البيانو. عندما تسترجع مع أبو الغار سنوات حياته الأولى، يتوقف ملياً أمام شكل العلاقة مع الدين. المجتمع المصري الذي عرفه في طفولته وشبابه لم يجعل الناس «متزمتين». بخلاف الجد المتديّن، والأب الذي كان يؤدي الفروض، يحضر زوج العمة الأزهري المتسامح والمحب للحياة. لا يخفي أبو الغار اليوم انزعاجه من «رغبة التيارات الدينية في القفز فوق مكتسبات ثورة «25 يناير»». وهي رغبة قادته إلى المشاركة في تأسيس حزب سياسي هو «الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي» الذي «يسعى إلى خلق تيار يتوافق حول فكرة الدولة المدنيّة، ومواجهة دعاة الدولة الدينية، وإعادة توزيع الثروة لمصلحة العمال في ظل اقتصاد السوق».
في عام 2005، نشر كتابه «يهود مصر من الازدهار إلى الشتات»، وهو كتاب كان شجاعاً في اقترابه من تابو «اليهود المصريين»، ولا سيما أنّه تحدّث بوضوح عن الأدوار الوطنية التي قام بها بعضهم. وكان هذا الكتاب بداية لموجة من الكتب تبنّت الخطاب نفسه، لكن بدوافع مختلفة.
بكثير من الفخر، يتحدث هذا الطبيب الملتزم اجتماعيّاً عن مشاركته الفعالة في تأسيس حركة «كفاية»، ويعدّها تجربة مهمة على الصعيد النفسي. فعندما أسّس جماعة «9 مارس» عام 2003، انحصر تأثيرها داخل الجماعة، «فيما نقلت «كفاية» العمل السياسي إلى الشارع، وكسرت حاجزاً نفسياً، وبطريقة ما قادتنا إلى ميدان التحرير بعد خمس سنوات فقط».
لا يزال محمد أبو الغار يعتقد بأن محمد البرادعي أجدر من غيره بمنصب رئيس الجمهورية. لكنْ لديه تحفّظ: «تعبنا مع البرادعي، فلو استمع إلى النصائح التي قدمناها له، لأصبح رئيس الجمهورية بسهولة ورحمنا من معادلة الإخوان أو الجيش. لكنه فقد الكثير نتيجة وجوده خارج البلاد، ولم ينجح تماماً في الالتحام بالناس».
في صفحات مذكراته «على هامش الرحلة»، يكتب عن مدن ولحظات وشخوص بنبرة فيها كثير من الرثاء، وألم الغياب. مدن أمضى فيها طفولته مع عائلته بحكم تنقلات والده بين السويس والمينا. روح التعدد والتسامح لم يعد لها أثر. يفضّل أبو الغار كلمة التأمل على الرثاء. «كنت أرغب في وصف التغييرات التي لحقت بمصر، من خلال تتبع سيرتي الذاتية وهي سيرة عائلة مصرية بالأساس. لهذا تطغى على المذكرات فكرة الدفاع عن التنوع الثقافي الخلاق».
لكنّ المذكّرات لم تتمكّن من الإحاطة برحلة صاحب «إهدار استقلال الجامعات» مع العمل العام، في كلّ جوانبها، وتحديداً عن دوره في حركة «9 مارس». لقد نجح هذا التجمع الأكاديمي في انتزاع أحكام قضائية لدعم فكرة الاستقلال، أبرزها الحكم بإلغاء الحرس الجامعي التابع لوزارة الداخلية. يفخر أبو الغار بالتجربة، مؤكداً أنّ مطالب الحركة تحقّقت كلها قبل الثورة بقليل. لكنّه لا يستسلم للتفاؤل بسذاجة، إذ يحذر من النتائج السلبية التي أتت بها الثورة. «التدهور الذي أصاب الجامعة، لا يختلف عن التدهور الذي أصاب مصر بكاملها مع نظام مبارك، إذ تولّى الأخير ــــ عن جدارة ــــ تقويض كلّ أركان الدولة الحديثة». الكلمات التي ينهي بها حديثه، وهو يودّعنا، لها وقع التحذير، لا بل التذكير بأن رحلة إعادة البناء ستكون طويلة وشاقّة...




5 تواريخ


1940
الولادة في شبين الكوم
(المنوفيّة، دلتا مصر)

1986
تأسيس أول مركز عربي
لأطفال الأنابيب في مصر

1991
انتخب أوّل رئيس
لجمعيّة الشرق الأوسط للخصوبة

2003
أسّس جماعة «9 مارس»
للدفاع عن استقلال الجامعة المصرية
من وصاية السلطة السياسيّة والإيديولوجيّة والأمنيّة

2011
بعد الثورة، أصدر طبعة جديدة
من مذكّراته «على هامش الرحلة»
(دار الشروق)