لم يتطلّب الأمر أكثر من مكالمة كي نلتقي هشام شربتجي. أخبرنا في البداية أنّه لا يرغب في الظهور الإعلامي، فيما الدماء تجري في سوريا، ثم أجاب على إصرارنا بالقول «إن كنتم ترون ذلك مناسباً فلا بأس». لكننا لن نفلح في إخراجه من عزلة اختارها لنفسه. منذ زمن، هو لا يتنقل إلا بين مكتبه ومنزله الذي يفصل بينهما مدخل صغير في مدينة صحنايا في الريف القريب من دمشق. هدوء يسود الحي الراقي الذي يقطن فيه.


وسط فخامة مكتبه وتصميمه الجميل، عينا الرجل أول ما يلفتنا. نبحث عن سر هذا الحزن العميق الذي تفضحه العينان. لكن قبل الغوص في حياته، يقف المخرج السوري طويلاً عند التطوّرات التي يشهدها البلد، ولا يخفي خوفه من الآتي: «الخراب سيكون مصيرنا إذا استمرت الأمور على هذا المنوال».
نحاول الالتفاف على كآبته وإعادته إلى الأماكن الأكثر إشراقاً في حياته: «حياتي كلها محطات مضيئة... أذكر جيداً أنني خبرت الشهرة والنجومية منذ الطفولة عندما فزت في مسابقة أفضل مصوّر ضوئي التي نظّمتها الأمم المتحدة لأطفال العالم». في ذلك الزمن، لم تكن الدولة تهتم بالمواهب. وظل فوزه بهذه الجائزة ذكرى من ذكريات طفولته، وعنوان رغبة مكبوتة.
وسط عائلة نموذجية قوامها ثلاثة أطفال عاش هشام، واختزنت ذاكرة طفولته الكثير من الحكايا والأساطير في منطقة المهاجرين في دمشق، وفي حي الأولياء الذي سمي كذلك لأنّ غالبية البيوت كانت تحوي قبراً لأحد الأولياء الصالحين. وظلت العاصمة السورية ملهمة مخيلته، هو الذي ولد خارج سور دمشق القديمة. كان يرافق والده الحلاق إلى محله في باب الجابية، ويسمع قصص الناس وحكاياتهم. وقد تلقف بشغف أخبار الثوار الذين كانوا يناضلون ضد الاستعمار الفرنسي. ومن خلال معرفته العميقة بدمشق، يرفض المخرج السوري «كل الكذب الذي قدمته الدراما السورية عن دمشق، بما في ذلك ما قدمته أنا، لأنّه زيّف الواقع الذي كانت تعيشه العاصمة تلك الأيام».
في الماضي، كانت المرأة الدمشقية بمنأى عن الاضطهاد بحسب هشام شربتجي، بل كانت المحرك الاقتصادي للعائلة. والدته كانت مثالاً حيّاً لذلك. كانت تخزّن في بيت مؤونتها كل ما تحتاج له العائلة، وعرفت كيف تناور لتحسن إكرام الضيف المفاجئ. اليوم، يصف هشام علاقته بوالدته بأنها علاقة «ولد غير بار بأمه»، لكنّها تبقى هي الكبيرة، تذكّره دوماً بأنّه لم يطمئن إليها منذ فترة. يرى هشام أنه محظوظ بالفترة التي عاشها وتمتدّ من أربعينيات القرن الماضي وصولاً إلى يومنا، بما حوته المرحلة من أحداث متسارعة. حلم بزيارة الاتحاد السوفياتي، لكن عندما وطئتها قدماه، حزن كثيراً «لأنني كنت شاهداً على نهايات امراة جميلة».
لم يخطر في باله يوماً أنّه سيدخل الوسط الفني رغم موهبته التي ظهرت باكراً. كان يريد للفن أن يبقى هواية، وتمنّى أن يمتهن الطيران ليجوب السماء، على أساس أنّ ذلك هو التعبير الأبلغ عن الحرية. وبالفعل، حاز الشهادة الثانوية وسافر إلى مصر ليدرس في «معهد إمبابا للطيران»، إلى جانب انتسابه إلى أكاديمية الفنون. لكن النكسة دمّرت المعهد، وصارت دراسة الطيران صعبة جداً في ذلك الوقت. هكذا لم يعد أمامه سوى التفرغ للفنون، ودراسة الأدب المقارن. ثم شاءت المصادفات أن يتجه نحو الإخراج، بعدما عُيِّن مخرجاً في إذاعة دمشق.
بمشاركة الإعلامي نذير عقيل، أسّس شكلاً جديداً من أشكال الدراما الإذاعية الناقدة، جعله اسماً معروفاً رغم عمله في غرفة الكونترول. بعد ذلك، انتقل بهذا النوع من الدراما إلى التلفزيون بدعم من الإعلامي المخضرم فؤاد بلاط. وهنا، انطلق بعمل يشبه شكل الدراما التي قدمها «مسرح الشوك»، «قصاقيص». لكن بدايته الفعلية كانت عام 1981، عندما أطلق مع الكوميدي ياسر العظمة الجزء الأول من المسلسل الكوميدي النقدي «مرايا». لاحقاً سيخرج أجزاء عدّة من هذا المسلسل، قبل أن يتركه «لأنّه وصل إلى درجة من الكذب لا أستطيع تقبّلها». بعد ذلك برع شربتجي في تقديم مجموعة من أهم الأعمال الكوميدية بدءاً بـ«أحلام أبو الهنا» مع دريد لحام، وانتهاءً بـ«يوميات مدير عام»، مروراً بالعديد من الأعمال المهمّة التي جعلته يحوز لقب «أبو الكوميديا السورية».
يرى هشام أنّ الكوميديا لعنة أصابته عندما نجح في تقديمها، ويعتدّ بأعماله الاجتماعية أكثر. وبالفعل، حققت مسلسلاته الاجتماعية قبولاً واسعاً لدى الجمهور وأسهمت في صناعة نجوم سوريين، خصوصاً مسلسلي «أسرار المدينة» و«أيامنا الحلوة» اللذين كتبهما حسن سامي يوسف ونجيب نصير.
عاطفياً، لم يصل هشام شربتجي إلى صوغ علاقة متوازنة مع المرأة... حتّى انّه يجزم لنا بأنّه لم يعرف الحب، رغم أنه يدرك أنّ لا طعم للحياة من دون إحباطات الحب ومصاعبه. وحين وقع أخيراً في الحب، رأى أنّه جاء في غير مكانه وزمانه، فقرر أن يبقيه ذكرى جميلة.
الصراحة الجارحة هي خبز هشام شربتجي الذي اعتاده في أغلب لقاءاته الصحافية، فدفع ثمنه غالياً. منذ سنوات، أقصي عن العمل في الدراما السورية التي تستند الى رأس مال خليجي. سبق لشربتجي أن قال «كاذب من يدعي أن آمال العرب واحدة وتطلعاتهم واحدة خاصة بالمقارنة بين سوريا والخليج». آخر أعماله في الدراما السورية هو «رياح الخماسين» (2008) الذي واجه مشاكل رقابية لكونه يتناول قصة معتقل سياسي من مدينة اللاذقية. بعد ذلك، قدم جزءاً من المسلسل الخليجي الشهير «طاش ما طاش»، ثم عاد لينتهي أخيراً من إنجاز مسلسل لبناني بالتعاون مع نجوم سوريين بعنوان «خبر عاجل».
ابنته رشا تتلمذت على يديه، وعملت معه مخرجة منفذة... لكن قطيعة طويلة الأمد أبعدتها عن والدها. إلى متى ستدوم هذه القطيعة؟ هنا، يدلّنا على ندبة سبّبها جرح في يده قائلاً إنّه يعود إلى 25 سنة، لكن أثره ما زال حتى الآن... وهكذا ستبقى الحال مع ابنته التي كانت واحدة ممن وقّعوا بيان درعا الشهير، فيما هاجمه المخرج السوري على أنّه يؤذي البلد. عن الوضع في سوريا، يختصر الموضوع بالقول «البيت السوري أُهمل قليلاً، فتسللت إليه الكثير من الحشرات التي يجب إبادتها». الفنّان المرموق يصرّ على أن ما يحصل «مؤامرة تستهدف الداخل السوري». ويضيف: «سيحتاج الشعب السوري إلى زمن طويل لتنظيف تراكمات هذه المؤامرة».
حالياً يعدّ هشام شربتجي مسلسلاً بعنوان «المفتاح»، عن فكرة لباسم ياخور وكتابة خالد خليفة. وكان يُفترض أن يباشر تصويره، لكنّ تصوير أعمال المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني تأجّل حتى إشعار آخر. أمور كثيرة تعلق في ذهن من يلتقي المخرج السوري، لكنّ الانطباع الأكثر سيطرة أنّ الرجل لم يعد يحمل شغفاً أو حماسةً للمستقبل. كأنّنا به يقول: «مستقبلي صار ورائي، لقد عشت زمني». نفهمه في هذه الظروف، لكنّنا لا نوافقه بطبيعة الحال...




5 تواريخ


1948
الولادة
في المهاجرين ـــ دمشق

1972
التخرج من أكاديمية
الفنون في مصر

1981
أخرج الجزء الأول
من مسلسل «مرايا»

2000
أخرج «أسرار المدينة»،
وبعده بثلاث سنوات
«أيامنا الحلوة»

2011
انتهى من تصوير مسلسل لبناني
بعنوان «خبر عاجل»
ويعدّ لعمل درامي جديد
بعنوان «المفتاح»