بعد أكثر من ثلاثين سنة من الممارسة الثقافية، التي توزعت بين التأليف والترجمة والتدريس، إضافة إلى إقامات متفرقة في بيروت والقاهرة ودمشق، ومحاضرات وندوات في عواصم عربية أخرى، لم يعد اسم الباحث والمستعرب الفرنسي إيف غونزاليس كيخانو غريباً على الأذن العربية. جاء كيخانو إلى الثقافة العربيّة «بلا إكزوتيك» أو هيمنة، ومن طموحات شخصية لا تكترث بأي نظرة مسبقة ومنمّطة حيال الآخر. إنه «استعراب» ما بعد حديث. «استعراب» تطبيقي يشبه ما نقوله عن النقد التطبيقي. هو ابن الجيل الذي شهد نهاية تجربة استعمار الجزائر، ابن الثورة الطلابية، واليسار الأممي. جيلٌ فتش عن نفسه خارج الثقافة الفرنسية. جيل الراحل ميشال سورا وغيره ممن شغفوا بالثقافة العربية، وناصروا القضية الفلسطينية، واشتغلوا على خلق حوار حقيقي مع المجتمعات العربية والإسلامية.

بالشغف ذاته، دخل كيخانو إلى هذا العالم. مع دراسته للأدب الفرنسي في «السوربون»، تعلم اللغة العربية في «معهد اللغات والحضارات الشرقية» في باريس. ترافق ذلك مع قراءات غير تقليدية قادته إلى مقاربة مختلفة للثقافة العربية. كتاب «الاستشراق» لإدوار سعيد أعفاه من النظرة النمطية السائدة لدى الأوساط المستعربة في فرنسا، بينما عرّفته كتابات عبد الكبير الخطيبي وعبد الفتاح كليطو على نبراتٍ عربية تخلط الأدب بالسياسة وعلم الاجتماع، وتعتمد على العلامات والصور والدلالات غير المباشرة.
لا يزال كيخانو يتذكر الصفعة القوية التي وجّهها الخطيبي للاستشراق الفرنسي بكتابه «القيء الأبيض: الصهيونية والضمير الحزين». إلى جوار هؤلاء، لا ينسى فضل رولان بارت. «أنا من تلاميذ بارت. كتابه «أسطوريات» كان محاولة رائدة لتفسير تحولات المجتمع الفرنسي من خلال الموضة والسيارات والغناء والطبخ. بكل تواضع، حاولتُ أن أنجز تفسيراً مماثلاً حيال العالم العربي، أي أن تكون الظواهر الشعبية مدخلاً لتفسير وفهم هذا العالم وتحولاته الاجتماعية والسياسية». طموحات مماثلة أشعرته بضرورة مزج القراءات بالتجربة المباشرة.
انتقل سنة 1980 إلى بيروت ليعمل أستاذاً للغة الفرنسية في «إنترناشيونال كولدج». كانت بيروت الحرب الأهلية، ثم الاجتياح الإسرائيلي، وجهة غير مرغوبة، لكنه اغتنم الفرصة بحماسة. تعززت لغته العربية. تكوينه الأدبي أخذه إلى مطالعات روائية وشعرية. قرأ أعمالاً لمحمود درويش وسليم بركات وحنان الشيخ. بدأ بترجمة رواية «اللجنة» لصنع الله إبراهيم. تعرّف إلى رشيد الخالدي وروجيه نبعة في «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، وترجم بعض المقالات في النسخة الفرنسية لمجلة «دراسات فلسطينية».
التجربة البيروتية تكررت في القاهرة عام 1987، حيث عمل في «مركز دراسات التوثيق الاقتصادي والقانوني والاجتماعي»، لكن الحصيلة كانت أقل. رغم أنّ عالم النشر والكتب في مصر كان مادته لأطروحة الدكتوراه، إلا أنه لم يكن مرتاحاً هناك. لماذا؟ «هناك صعوبة في الانتقال من لبنان إلى مصر، والعكس صحيح. إيقاع الحياة مختلف كلياً في المدينتين. كنت ألتقي بأصدقاء مثل صنع الله إبراهيم والراحل محيي الدين اللباد، لكني لم أتعمق كفاية بالمشهد الثقافي والاجتماعي هناك».
التراكم الذي صنعته التجربتان سيظهر بعد عودته إلى فرنسا عام 1990، وعمله مستشاراً خاصاً في «معهد العالم العربي»، وتأسيسه سلسلة «عوالم عربية» بالتعاون مع دار «أكت سود». هكذا، توالت ترجماته المميزة: «اللجنة» و«ذات» لصنع الله إبراهيم، «لعبة النسيان» لمحمد برادة، «ذاكرة للنسيان» لمحمود درويش، «يوم الجمعة يوم الأحد» لخالد زيادة، «بيضة النعامة» لرؤوف مسعد، «حكاية زهرة» و«أكنس الشمس عن السطوح» لحنان الشيخ، و«عزيزي السيد كاواباتا» و«ليرنينغ إنكليش» و«انسي السيارة» لرشيد الضعيف. في غضون ذلك، عمل أستاذاً للأدب العربي المعاصر في جامعة «ليون الثانية»، وأنهى أطروحته المؤجلة التي تبحث في دلالات حركة النشر المصرية بين الخمسينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وصدرت بعنوان «أهل الكتاب» (Les gens du livre).
الترجمات هي الشق الأدبي في علاقة كيخانو الخصبة بعالمنا العربي. علاقةٌ ترسخت أكثر مع تورِّطه في دراسة الجوانب السوسيولوجية والسياسية، وما تنتجه من ظواهر وتحولات يمكن من خلالها رسم صورة دقيقة وملموسة للواقع. المثقف الفرنسي ذو الجذور الإسبانية عثر على بعد آخر لهويته. هل كان يسعى إلى نوع من التصالح مع الذات؟ يستسيغ الفكرة، ويقول: «أظن أنها كانت لعبة مرايا. جزء من اهتمامي بالعالم العربي كان ناتجاً من ضيقي من فرنسيتي غير الكاملة. كأني ذهبت إلى ثقافة غريبة بسبب جذوري الإسبانية. مع الوقت، تأكدت أن ذهابي إلى الثقافة العربية جعلني أفهم مجتمعي. الآخر أفهمني حقيقتي». هل تسرّب شيء عربي إلى هويته الراهنة؟ «أنا صديق للعرب وقضاياهم العادلة. أحب أشياء كثيرة في العالم العربي. ولديّ أصدقاء وأمكنة وذكريات. ربما أحلم باللغة العربية إذا طالت إقامتي هنا (يضحك)، ولكن هذا شيء مكتسب لا علاقة له بالهوية».
قبل خمس سنوات، أنشأ كيخانو مدوّنة على الإنترنت، وخصّصها لنشر مواد تتناول ما تنتجه الحياة اليومية العربية من ظواهر جماهيرية تعكس صورة أدق للمجتمع العربي. هكذا، اطّلع القارئ الفرنسي على ظواهر مثل: نجاح مسلسل «باب الحارة»، ورواج الدراما التركية المدبلجة، والرواية السعودية الجديدة، وثقافة الفيديو كليب... وأخيراً، دور الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في تسريع الثورات العربية الراهنة. كباحثٍ عرف عالمنا عن كثب، أدهشته هذه الثورات. كان يظن أن عقوداً أخرى من الجمود تنتظرنا. لا يستبعد أن تنقل الثورة إلى مجتمعات تبدو محصّنة. يراقب ما يحدث من دون أن يطلق أحكاماً نهائية، لكنه يرى أن التغيير قادم، وأن العودة إلى الوراء لم تعد واردة.
قبل ذلك، كان قد نشر بالتعاون مع زميله كريستوف فارين كراساً عن الإنترنت في الشرق الأوسط، وأشرف وقدم مع الباحثة المغربية ثريا دعيبس كتاب «العرب يخاطبون العرب» الذي ضم مقالات عن الإعلام العربي. التطورات المتسارعة حالياً أجّلت فكرة إصدار كتاب يقترح فيه ثقافة الحياة اليومية مدخلاً لفهم العالم العربي المعاصر. وأجّل أيضاً إنجاز ترجمته لكتاب «عودة الألماني إلى رشده» لرشيد الضعيف.
حين التقيناه في بيروت، في طريقه من دمشق، حيث عمل العام الماضي، الى إجازته الأوروبيّة، أكّد أنّه متفرغ تقريباً لمواكبة ما ستؤول إليه الأحوال في العالم العربي. هل يوافق على أن الإنترنت أدّت دوراً أساسياً في اندلاع الثورات العربية؟ «لقد ساهمت المدونات وفايسبوك وتويتر في أداء دور تعبوي بارز، لكن لا يزال مبكراً حسم أسباب اندلاع الثورات بالإنترنت فقط». أخيراً، نسأله عن مدى النجاح المتوقع لثورات لا تتسلّم السلطة؟ فيقول: «ربما هذا نمط مختلف من الثورات. إنها ثقافة أجيال شابة وجديدة. خذ مثلاً الثورة الطلابية في فرنسا. لم تكن ثورة مكتملة بالمعنى السياسي... لكن فرنسا بعد تلك الثورة لم تعد كما كانت قبلها».




5 تواريخ

1954
الولادة في نانت (فرنسا)

1980
عمل أستاذاً للغة الفرنسية في «انترناشيونال كولدج» في بيروت

1987
عمل باحثاً في «مركز دراسات التوثيق الاقتصادي والقانوني والاجتماعي» في القاهرة

1992
باكورة ترجماته من الضاد إلى لغة موليير، رواية «اللجنة» لصنع الله إبراهيم

2011
يعدّ كتاباً عن الثقافة اليومية
كمدخل لفهم العالم العربي، وكتاباً آخر عن دور الإنترنت في تسريع الثورات والاحتجاجات العربية الراهنة