لم يكن سهلاً على رفاقه الصحافيين والناشطين المعارضين الذين طالما جلسوا معه في المقهى وعلى أرصفة ميدان التحرير، أن يصدقوا أن زميلهم عزازي علي عزازي رفيق النضال ومقاهي القاهرة وأطباق «الكشري»، اختير محافظاً للشرقية في 5 آب (أغسطس). كانت مفاجأة سارة، فهو أول صحافي في تاريخ «حركة المحافظين» يتولّى هذا المنصب.


حسابه الشخصي على «فايسبوك» يضم أكثر من 886 صديقاً، وأكثر من ستين صورة له في تظاهرات قديمة ضد التوريث، وضد غزو العراق (2003) ومسيرات «ثورة 25 يناير»، وصوراً أخرى برفقة عبد الحكيم عبد الناصر نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتظاهرات دفاعاً عن حرية الصحافة والإعلام. غير أنّ أبرز ما كتبه هو «لن أكون أكبر مسؤول في الشرقية بل أكبر خادم فيها. أعاننا الله على حمل الأمانة وعلى تجسيد مطالب ثورة يناير العظيمة في أعظم وأقدس بقاع مصر». يقول إنه سيطبّق ديموقراطية شعبية في محافظته، الأشد فقراً في مصر.
إكياد، قريته التي ولد فيها، تعاني من نقص في مياه الشرب. والمحافظة التي يبلغ عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، غارقة في فساد فلول الحزب الوطني المنحل الذين سرقوا ثرواتها، وسخّروها لأنفسهم، ولخدمة النظام السابق، خالقين وضعاً طبقياً خطيراً، يشبه الوضع العام في مصر كلها: أقلية تحتكر المال والأعمال والنفوذ، وأغلبية كاسحة لا تجد قوت يومها. «كل هذا سيتغير، سأكنس الشوارع مع الناس».
الطفل الذي أرسل مع تلامذة كثيرين من مختلف أنحاء مصر خطاباً للرئيس الراحل جمال عبد الناصر يهنئه بالعيد 11 لثورة يوليو (1963)، سعد حين أتاه الرد يومها بـ«صورة عبد الناصر وتوقيعه». وكان أن دارت الأيّام، ليجد نفسه مشاركاً في ثورة شعبية أخرى هي «25 يناير». إنّه أحد مؤسسي الحركة المصرية من أجل التغيير، «كفاية» التي فتحت الباب قبل سبع سنوات للنضال الجماهيري ضد التوريث. وهو مؤسس بارز لحزب «الكرامة» (الناصري) الذي ذاق معظم قادته سجون السادات ومبارك.
قبل ست سنوات (2005) حمل مانشيت أول عدد من جريدة «الكرامة» العنوان التالي: «نقسم بالله العظيم، لن يرثنا جمال مبارك». لذلك، لم يكن غريباً على رئيس التحرير عزازي علي عزازي أن يطير من الفرح بعدما تحققت هذه النبوءة. تنحّى الرئيس المخلوع مبارك عن السلطة نهائياً، وسقط مشروع التوريث. لا يقدر على نسيان لحظة إعلان التنحّي: «كنت أجلس القرفصاء في مقر «الكرامة»، متابعاً التلفزيون مع زملائي بقلق بالغ. فعلاً، تعبنا لم يذهب هباءً». ما لا يرويه محافظ الشرقية الجديد، أنّه هتف للثورة والشهداء، ونزل مع طاقم الجريدة إلى الشارع، يرقص كالأطفال، حتى وصلوا بعد دقائق إلى ميدان التحرير، ليلتحموا بالحشود الجذلين بالنبأ اليقين...
تأثّر وعي الصبي القروي بدايةً، بمشاهد العمال والحرفيين الذين كانوا يرنّمون في قريته الفقيرة أغنيات الثورة والاشتراكية، وفلسطين، والصمود في مواجهة الكيان الصهيوني: «كنت أسمعهم وأنا ذاهب لشراء طعام الإفطار لأسرتي. كنت أردّد وراءهم، وأجلس معهم، فأتأخر عن البيت. كنت أتأخر دوماً». بعد سنوات، انضم الشاب (1977) الى التيار الناصري في جامعة «الزقازيق»، ليشارك بعدها في انتفاضة 18 و19 كانون الثاني (يناير)، وفي التظاهرات الشعبية المعارضة لاتفاقية كامب دايفيد مع إسرائيل.
بعد سنوات (1995)، تعرض عزازي علي عزازي للاعتقال ثم التعذيب في سجن «مزرعة طرة» على أيدي قوات الأمن المصرية، لأنه قاد تظاهرة كبيرة اقتحمت جناح إسرائيل التي استضافها النظام السابق في ما عرف وقتها بـ«المعرض الصناعي الزراعي» الذي أقيم في أرض المعارض في القاهرة. ورغم القبض عليه وعلى رفاق آخرين، نجحوا في إفشال المعرض وطرد إسرائيل. يقول: «صراعنا مع الصهاينة صراع وجود، حياة أو موت. نعم للمقاومة العربية، والثورات الشعبية. ليس هناك شيء اسمه السلام مع قتلة الأجنة».
عزازي وجه مألوف في كل المبادرات والنشاطات المناهضة للتطبيع. أسس، مع آخرين، اللجنة المصرية لمناهضة الصهيونية. وقبل عام، زار غزة مع وفد من البرلمانيين والصحافيين المصريين ضمن حملة لفك الحصار عن القطاع. لا تُسقط ذاكرته بطولة ابن قريته، الجندي سليمان خاطر الذي قتل 12 جندياً صهيونياً اخترقوا الحدود المصرية (1985)، وحكم عليه بالسجن المؤبد. وهو لا يصدق أنّه انتحر داخل سجنه. وفاءً لذكراه، شارك في تأسيس «اللجنة القومية للدفاع عن البطل سليمان خاطر» (1987)، لإعادة التحقيق في ملابسات وفاته. يقول: «لا أصدق أنه انتحر. كنت أعرفه جيداً. لقد كان صديقي».
يبدي عزازي اليوم قلقه على مسار الثورة. مليونية السلفيين في ميدان التحرير في 29 تموز/ يوليو الماضي، أوحت له بهذا التعليق: «وسط القاهرة صار أشبه بموقع تصوير لفيلم تاريخي عن عصور ما قبل الإسلام»،. هو لا يؤمن كثيراً بالأداء البيروقراطي لحكومة عصام شرف «غير الثورية» التي سيجتمع معها على طاولة واحدة، إذ يرى أنّ صناع الثورة الحقيقيين ـــــ أي «الجماهير والغلابة» ــــ غائبون حتى الآن عن دورهم في دفع التطور الثوري إلى الأمام: «هناك اليوم ما يثير القلق: القوى الشعبية التي صنعت التغيير غير مرتاحة لنتائج الثورة. وقد يجرّها اليأس إلى الصمت التاريخي في مواجهة تيار الإسلام السياسي غير الجماهيري الذي يرغب في المكاسب الفردية وإقصاء الآخرين. أما دعاة الليبرالية الذين يتحكّمون بوسائل التعبير، من فضائيات وصحف، فينتمون في الحقيقة إلى تيار انتهازي، يوهم الناس بأنّه يعمل لصالحهم، وهو لا يستهدف إلا الربح على حساب الجماهير. ويبقى المجلس العسكري الذي يراقب كل شيء من فوق. هذه المعادلة يجب أن ترد إلى نشأتها الأولى، لأنّ الناس هم الذين يصنعون التاريخ».
بين 16 جنرالاً في الجيش والشرطة، يواجه هذا الناقد الأدبي مأزقاً كبيراً من دون شك. يواجه عجلة البيروقراطية التي قد تفرم عضو اتحاد كتّاب مصر الحاصل على الدكتوراه (2007) في نقد الرواية من جامعة «الزقازيق». وهو يعرف أن المجلس العسكري لم ولن يقرأ مؤلفاته: «المتمرد والصعلوك»، و«محبة النص»، و«سيمولوجيا الرواية المصرية»، و«الناصرية: تجاوزتنا أم تجاوزناها؟». الجماهير في محافظته قدمت شهداء في ثورة يناير، وتنتظر التغيير. الإجابة صعبة، وعدم الإجابة كارثة: «سأطبق روح الثورة في الشرقية، والناس سيساعدونني. أنا متأكد جداً من ذلك».




5 تواريخ

1957
الولادة في قرية إكياد محافظة
الشرقية (مصر)

1995
دخل الى السجن بسبب حركة احتجاج أدّت إلى عدم مشاركة اسرائيل في معرض صناعي في القاهرة

2007
دكتوراه في نقد الرواية من جامعة «الزقازيق»

2008
رئيس تحرير جريدة «الكرامة»

2011
محافظ الشرقية