بغداد | صبية، ونساء، وشيوخ، وشباب، وشابات تجمّعوا مساء الثلاثاء الماضي حول نصب كهرمانة في حي الكرادة وسط بغداد، لإحياء ذكرى المفكّر كامل شياع (1954 ـــ 2008) ورفع الصوت عالياً للكشف عن ملابسات مقتله وهوية الفاعل. علماً بأنّ شهيد الثقافة العراقيّة اغتيل قبل ثلاث سنوات بمسدس كاتم للصوت حين كان عائداً من شارع المتنبي حيث ذهب لشراء بعض الكتب. أتوا وهم يحملون صوراً لفقيدهم الذي غادر ولم يكشف حتى الآن عن هويّة قاتله، ولا عن الدوافع وراء تصفيته الجسديّة في وضح النهار.

شموع توزعت على محيط المكان، لتحوّل الساحة إلى بقعة مضاءة بروح كامل. أمّا السيّارات والمارة، فكانوا يتساءلون عن سرّ هذه الوقفة. ولِمَ كل هذه الشموع؟ ومن هو كامل شياع الذي يحظى بكلّ هذا الحب؟ إنّه العراقي العائد من منفاه «القديم» الذي بدأه منذ عام 1979 لغاية الحرب الأميركية على العراق عام 2003. يومها، قرر العودة إلى بغداد، فوجد نفسه في منفى «جديد». عباراته لم تغب عن هذه الوقفة الاستذكاريّة: «أنا الوافد أخيراً إلى دوامة العنف المستشري، عدت من المنفى، وأنا مدرك أن لا عودة لي منه؛ لأنّه يجدّد نفسه في كلّ تماس مع ما هو مألوف أو غير مألوف».
المفارقة في وقفة الثلاثاء أنّ منظّميها الأساسيّين كانوا من متظاهري ساحة التحرير وتجمّع «شباب شباط» ممن رفعوا صوتهم عالياً منذ أشهر ضدّ الفساد، والمحاصصة، ومصادرة الحريّات، فملأوا الساحات بتظاهراتهم. لقد قال شبان نصب «جواد سليم» لـ«كامل العراق»: «أحلامك في تلك البلاد لن تموت، ونحن من سيواصل بثّ الروح فيها».
هذه الوقفة جدّدت الأمل بأنّ الأحرار سرعان ما تجمعهم الساحات على الرغم من أنّ المناسبة حزينة ومؤلمة. جدير بأن يلتقي عند صورة كامل ــــ وإن كانت بالأبيض والأسود ــــ العشرات من أصدقائه وأهله.
إصرار صبيّة على إشعال شمعة ثانية قبل مغادرتها مع أبيها، بدا كرغبة في مواصلة الحلم ببراءة. لكنّ الناشط أحمد البغدادي (أحد أعضاء تجمّع «شباب شباط») لم ينسَ التحديات، فـ«الدولة لم تعلن حتّى الآن هوية الجناة، كما لم يطلع الرأي العام على مسار التحقيقات في هذه القضية».