شيءٌ ما في ذلك المنزل الدافئ في بلّونة (قضاء كسروان) يشيع أجواءً من الطمأنينة. قد يكون صوت «الزغلول» وهو يدندن كلّما قام لتناول كتاب من مكتبته، أو صوت سلام مدبّرة المنزل وهي تتلو بعض ردّيات الزجل اللبناني، بنغمتها الأفريقية الشجية. الصبية الإثيوبية التي لقّنها صاحب المنزل النشيد الوطني اللبناني لم تكن تعرف حين جاءت إلى لبنان أنّه سيتسنى لها التعرف عن كثب إلى أحد عمالقة الزجل اللبناني.


لا يزال «زغلول الدامور» ينظم الردّيات. لكنّ الرجل الذي أسّس، بعد «شحرور الوادي» ورشيد نخلة، للجيل الثاني من شعراء الزجل في لبنان، انكفأ منذ العام الماضي عن المشاركة فوق «المنابر». للعمر حقّه. وقد لا يعرف كثيرون أن الزغلول (1925) ــــ حسب اللقب الذي أطلقه عليه أهل البوشرية (قضاء المتن) حيث كان يقيم مع أسرته ــــ بدأ نظم الشعر منذ التاسعة.
اليوم، في السادسة والثمانين، تختلط في حديث جوزف الهاشم التواريخ والأحداث... إلا أنَّه لا يسهو عن أي كلمة من أي «معنّى» أو «موشَح» أو «قرّادي» كان قد نظمها في «قصيد» خلال مسيرته الشعرية الطويلة. الزجل كان أهم ما في حياته. دخله باكراً جداً مع مجموعة من المحيطين به: فيليب مسعود البستاني، أستاذه في مدرسة «جديدة المتن الكبرى»، والده، وجدته لوالده. ألم يكن والده هو من حرّضه على تمزيق قصيدة الشاعر وليم صعب (بلبل الأرز) التي وضعها بين يديه الخوري يوسف عون، مدير المدرسة، كي يتلوها على المسرح في حفلة تسلم الشهادة المتوسطة؟ ليلتها، منعه من تناول العشاء قبل أن يكتب قصيدته الخاصة التي سيلقيها في الاحتفال. «كنت أرتعد على المسرح وأنا ألقي القصيدة لشدّة خوفي من ردّ فعل الخوري، إلى أن لمحته يضحك ملء فمه، فتنفست الصعداء».
وجدّته نِمْنُم، ألم تكن هي من أبصرت موهبة الحفيد باكراً؟ تلك الشاعرة الأمية التي كانت تحسن النظم والغناء وتتقن التمييز بين البحور والأوزان، هي «أستاذته» كما يصفها. وهي التي شهدت لحظة ولادته كزجّال. كان ذلك عام 1936 خلال عطلة الصيف التي اعتادت الأسرة قضاءها في بلدة ضهر المغارة (الشوف). يومها، اصطحبت الزغلول معها في زيارة لبلدة الدبية المجاورة. هناك، علما مصادفةًً بالأمسية الزجلية التي سيحييها الشاعران رشيد ضاهر ورامز البستاني. ألحّ على جدته ليبقيا. خلال الأمسية، عجزت «ردّية» رامز عن التصدي لضاهر. تسلّل الزغلول من بين الحضور، صعد إلى المسرح، وطلب من رامز الاشتراك في ردّية استفزّت جداً الغريم المخضرم الذي سرعان ما نعته بـ«أرنب». فما كان منه إلا أن ردّ عليه قائلاً: «الشّعار باسمي تغنّوا، وبروعة شعري تكنّوا، وأرنب اللي بفكرك منّو، من شجرة عمرك مرشق».
من يومها، توالت الدعوات والطلبات لكتابة «القصيد» خصوصاً لمأتم أو لعرس، أو للمشاركة في حلقات الزجل، فترك الولد المدرسة وتفرّغ للشعر. «خلقتُ والوزن معي»، يقول الزغلول الذي لا يتردد في اعتبار الشعر «موهبة لا علماً». يبدو جوزف الهاشم اليوم سعيداً بالحياة التي عاشها. مسيرته الشعرية التي بدأت باكراً في قرية صغيرة أوصلته إلى قارات بعيدة، جابها «سندباد الزجل اللبناني» بناءً على طلب محبّيه من المغتربين اللبنانيين.
ذاق الزغلول الحب حتى الثمالة. وفي مناسبة الثمالة، فإنّ كل الأقداح التي وضعت على المنبر أمام الزغلول خلال مسيرته كانت تحوي ماءً. على عكس ما يشاع عن الزجّالين الذين يتلون شعرهم في جلسات منادمة، هو لا يحتسي الكحول. أما الحب فقد أسكره باكراً جداً. وكان من نصيب امرأة واحدة فقط، جنفياف. أحبها طفلاً، وتزوّجها «خطيفة» وهو في الثامنة عشرة، لتفارقه منذ سنوات قليلة فقط بعد رحلة عمر طويلة خاضاها معاً. «كانت تتعمشق على التينة لتقطف لي تيناً ونحن أطفال. وذات مرة وقعت لأنّها أبت أن تتمسّك بالغصن، فتفلت من يدها حبّات التين التي قطفتها لي». يحلو للزغلول أن يسترجع «الزغلولة»، كما كان يناديها تحبّباً.
«إنّه من أوصل الزجل إلى غير عشاقه»، يقول صديقه الياس خليل، الشاعر في جوقته لسبع سنوات، وأستاذ الفلسفة وعلم النفس في جامعة الكسليك. ويشيد الأخير بالزغلول ناظماً ومؤدياً.«هو أوّل من غنّى الزجل على التلفزيون في منتصف الستينيات. قبل ذلك، ظهر بعض الشعراء على الشاشة، ومنهم عمر الزعني وعبد الجليل وهبة، لكنهم لم يغنّوا قصائدهم بل تلوها» يقول الشاعر جوزف أبي ضاهر مؤلف «موسوعة شعراء ظرفاء» (2001). ويشدّد صاحب «أنطولوجيا زجل الاغتراب اللبناني خلال قرن» (2010) على دور التلفزيون الوطني في تعميم الزجل. بعد مرور نحو خمس سنوات متواصلة على بثّ برنامج الزغلول، دخلت جوقات أخرى إلى عالم الإعلام المرئي، وازدهر الزجل على الشاشة. تلك المرحلة الذهبية التي استمرّت حتى أواخر السبعينيات، لم تلبث أن تراجعت وفق خط انحداري بلغ اليوم أحطّ دركاته.
يعي الزغلول تقهقر ذلك النوع الشعري «الفطري»، لكنّه لا ينذر بنهايته. لا يزال يعيش نشوة الماضي، مستمداً من ألقه الإيمان بالمستقبل. فقد عاش مجد الزجل وأسهم في صنعه. من جوقته التي أسّسها للمرة الأولى عام 1945، ستنطلق جوقات تضم أسماء لامعة: خليل روكز، وزين شعيب، وإدوار حرب، وجان رعد، وأسعد سعيد، وطليع حمدان، وغيرهم كثيرون. «كان الجيل الأول ينظم الردّية بسطرين، نحن طوّرناها لتصبح 12 سطراً» كما يقول عن جيله الذي طوّر الفن الأندلسي العريق، وألهب مشاعر الجماهير...
من حفلة «التحدي الكبير» بين الزغلول وموسى زغيب (جوقة خليل روكز) في بيت مري عام 1971، إلى «عكاز الزجل في المدينة الرياضية»، ذلك المهرجان الذي نظمه أحد مغتربي لبنان على مدى يومين عام 1972، واحتضن مبارزات أكثر من 14 جوقة: محطاتٌ أساسية كان لوجود الزغلول تأثير عميق فيها. لا بدّ من أن نضيف إليها مشاركته في مهرجانات جرش التي استضافت الزجل اللبناني للمرة الأولى عام 1978. واكب الزغلول الحركة الزجلية منذ عام 1958، تاريخ تأسيسه وزميله زين شعيب المجلة الزجلية «المسرح» التي شهدت نجاحاً كبيراً، ولم تتوقّف عن الصدور إلا في منتصف الثمانينيات. كذلك صدر له «خمسون سنة مع الشعر الزجلي» (1995)، و«عمر وسفر» (2005)، و«بين القلوب» (1948) و«المرج الأخضر» (1952) مع صديقه وزميله زين شعيب.
طوال حياته، مارس الزغلول جوزف الهاشم شغفه بإخلاص والتزام، وبنى شهرته بروية وبصبر. لا يزال يذكر يوم أطلقت الإذاعة اللبنانية مسابقة شعر عام 1945 لاختيار عشر قصائد. لم يشترك يومها بقصيدة واحدة، بل تقدّم بعشر وربح. بعد مرور الزمن، لا يزال ذلك الشغف حاضراً في صوته الذي كلّما صدح في ذلك المنزل الدافئ في بلونة، يأخذنا في رحلة إلى الزمن السعيد.





5 تواريخ

1925
الولادة في منطقة البوشرية
(قضاء المتن/ لبنان) في عائلة أصلها
من الدامور

1936
مشاركته (العفويّة) الأولى في أمسية زجلية في بلدة الدبّية (قضاء الشوف/ لبنان)

1945
أسّس «جوقة زغلول الدامور» الأولى

1958
أسّس مع صديقه وزميله زين شعيب المجلة الزجلية «المسرح» التي بقيت تصدر حتى منتصف الثمانينيات

2011
كرّمته «نقابة شعراء الزجل في لبنان» خلال احتفال كبير أقيم على شرفه في جزين (جنوب لبنان).

تم تعديل هذا النص عن نسخته الاصلية بتاريخ 29 اب 2011