اللقاء بثناء دبسي مهمة صعبة؛ لأنها لا تحبّذ الكلام على سيرتها، فيما أبناء شعبها يموتون كلّ يوم. لكنها ستوافق أخيراً، بعد أن تنتزع منّا وعداً بأن لا نتطرق إلى الأحداث السياسية. هكذا كان علينا أن نستقل أول سيارة أجرة لنقطع نحو 40 كيلومتراً بعيداً عن دمشق، وتحديداً إلى منطقة الدروشة التي تقيم فيها الممثلة المخضرمة مع زوجها النجم السوري سليم صبري خلال فصل الصيف. عند الباب، كان النجم سليم صبري ينتظرنا ليوصلنا إلى صالون واسع، ثم يتركنا مع شاهد حيّ على تاريخ الدراما السورية، وممثلة عاصرت أجيالاً مختلفة، على أن يدخل أحياناً ليواصل طقوس حسن الضيافة. بسرعة البرق، تأخذنا إلى عاصمة الشمال. في حلب، ولدت النجمة السورية في كنف عائلة تذوقت الطرب الشرقي، وجعلته جزءاً من تفاصيل حياتها اليومية. والدها كان يعزف العود، وخالها كان يغني في سهرات عائلية حميمة أفسدها سفر أخويها إلى أوروبا. لذلك، هي تكره السفر وتعدّه السبب الأول لتشتيت أي عائلة سعيدة.


سهرات السمر تلك هي أكثر ما علق في ذهنها من أيام الطفولة، إضافة إلى اللحظات الأولى لدخولها مدرسة الراهبات. هناك تعرّفت إلى لذة ذلك الشعور الغامض بالذعر والقلق، عند الصعود إلى المسرح ومواجهة الجمهور. كانت المدرسة تقيم دوماً حفلات كان يصدح فيها صوت ثناء التي تعلّمت الغناء وأحبته قبل التمثيل. بعد سنوات، انتقلت الطفلة الموهوبة إلى مدرسة خاصة، كانت مديرتها تهتم كثيراً بالفن. هكذا أتيح للطفلة التي عشقت الفن، أن تمارس هوايتها المفضلة من خلال حفلات ومسرحيات جسدت فيها العديد من الأدوار.
بعد عملها في المسرح المدرسي، انتسبت مع أختها الممثلة ثراء دبسي إلى فرقة «المسرح الشعبي» في مدينة حلب. قدمت الفرقة عروضاً جماهيرية جالت مدناً عربية مثل القاهرة وغزة. ثم كانت المفاجأة الكبيرة بالنسبة إلى العائلة المحافظة، عندما أخبرت ثناء والدهما أنها تريد الرحيل مع أختها إلى دمشق لاحتراف الفن: «رغم أن الخبر نزل مثل الصاعقة على عائلتنا، إلا أن والدي كان رجلاً متفهماً. وصلت إلى اتفاق معه، وجعلته يبارك خياري، رغم أن المجتمع في ذلك الوقت كان يرى التمثيل عيباً لا يمكن فتاة محترمة أن تقترب منه!».
بكثير من الشغف، تتذكر ثناء علاقتها بعاصمة الشمال السوري. تحكي عن قلعتها التي تمكث في ذاكرتها وتحتل هامشاً واسعاً من علاقتها بمدينة احتضنت سنوات طفولتها ومراهقتها. كذلك تتذكر الممثلة المخضرمة خطواتها الأولى صوب احتراف الفن بعدما تركت الثانوية، وسافرت إلى دمشق حيث أسهمت مع مجموعة من زملائها في تأسيس «المسرح القومي». تدرّبت يومذاك على يدي المخرج الفلسطيني هاني صنوبر (يافا، ١٩٣٥ ـــــ عمّان، ٢٠٠٠): «كنّا نواظب على تمارين ينبغي للممثل الأكاديمي اتباعها، فكانت فرقة المسرح القومي بمثابة معهد يقدم لنا مفاتيح التمثيل من تمارين ليونة وصوت وحركة».
آنذاك، كانت وزارة الثقافة تعنى بالفرقة الناشئة وتهتم بتأسيس حركة مسرحيّة حقيقيّة. وقوفها الاحترافي الأول على المسرح كان في عرض افتتاحي للمسرح القومي عام 1960. يومها، أدت شخصية أم في الثمانين في مسرحية «أطفال بلدنا». وحتى تتخلص من الرهبة التي تملّكتها، ركزت على شخص من الجمهور، وتناست أنها أمام هذا الحشد الذي راح يداوم على عروض «المسرح القومي» لشهور متواصلة.
العروض الجماهيرية في «القومي»، جعلتها ممثلة متمكنة. ثم عملت مع المخرج سليم قطايا العائد من ألمانيا آنذاك، في مجموعة سهرات تلفزيونية صنعت منها نجمة جماهيرية على التلفزيون السوري، إلى أن قدمت أول مسلسل طويل، هو «حارة القصر» (1970) من تأليف عادل أبو شنب وإخراج علاء الدين كوكش.
بإمكانات بسيطة لكاميرا ثابتة وثقيلة تصوّر بنحو متواصل مشاهد من دون مونتاج، خرج العمل مذهلاً قياساً بالإمكانات المتواضعة المتاحة، ما دفع خبراء فرنسيين زاروا سوريا ذلك الوقت، إلى الإشادة بـ«أهمية ما ينجزه هؤلاء الممثلون الشباب» الذين لم يلبثوا أن تحوّلوا إلى أيقونات الدراما السورية. من بينهم الراحل يوسف حنا، و«فنان الشعب» رفيق سبيعي، والممثل عبد الرحمن آل رشي. وقد أسهم في تقديمهم للجمهور المخرج الراحل سليم قطايا الذي رحل باكراً من دون أن توثق تجربته، أو يؤرشَف تاريخه المهم: «أتذكر أن سليم قطايا حفر أرض الاستوديو ذات مرة ليسجل لقطة احترافية واحدة. وهي واحدة من مغامرات كثيرة خاضها هذا المخرج الذي كان له فضل كبير علينا نحن الممثلين».
في غمرة انشغالها بمواسم المسرح القومي المتلاحقة، وإجرائها للبروفات وقضائها ساعات طويلة في استوديوات الإذاعة ومواقع التصوير، ستلتقي بالمخرج والممثل سليم صبري. معه أسّست لحياة جديدة، وأثمرت علاقتهما ابنة صارت اليوم واحدة من أهم نجمات الدراما السورية. إنّها الممثلة يارا صبري التي ربتها والدتها على صوت فيروز، ما جعلها تعشق الموسيقى ثم تسير على خطى والديها فوق درب الفنّ.
لاحقاً، ستهجر ثناء دبسي الخشبة. كانت قد تألّقت في عشرات الأعمال التي لا تزال تسكن ذاكرة الجمهور. ومن بينها «الأشجار تموت واقفة»، و«الملك لير» لعلي عقلة عرسان، والعديد من التجارب المهمّة التي خلفتها وراءها قبل أن تمضي بعيداً عن «المسرح القومي» بسبب خلاف حاد مع مديره الفنان أسعد فضة. لكنّها ترفض الخوض في تفاصيل هذا الخلاف.
هكذا انقطعت عن العمل في سوريا لسنوات، قبل أن تعود في مسرحية «تخاريف» (1978) من إخراج صهرها ماهر صليبي. ثم أطلّت في مسلسل «الذئاب» (1989) لعلاء الدين كوكش. لكنّ التلفزيون حصرها في دور الأم المعطاء الذي أدته بأشكال مختلفة من «غزلان في غابة الذئاب» إلى «زمن العار» لرشا شربتجي، ثم «وراء الشمس» لسمير حسين، حتى أصبحت تُعَدّ واحدة من أمهات الدراما السورية. لكنها بدأت تعتذر عن عدم تقديم أي دور تخيّم عليه كليشيهات جاهزة ومعروفة مرتبطة بشخصية الأم السورية العادية.
وفي الموسم الرمضاني الأخير، اكتفت ثناء دبسي بدور واحد في المسلسل الشامي «الزعيم» مع المخرج مؤمن الملا. وهي تأخذ اليوم على الدراما السورية تكرارها للأفكار والسيناريوات ذاتها. قبل أن ننهي حديثنا، نسأل عن أكثر اللحظات التي حفرت في وجدان الممثلة المخضرمة. تصمت قليلاً قبل أن تفلت الدموع من عينيها، وقد تذكّرت أن القدر صاغ لعبة الرحلة الأخيرة لأشخاص أحبتهم. فقد فقدت والديها ثم شقيقاً شاباً في مقتبل العمر منذ مدة قصيرة. نحاول الهرب من الحزن الذي خيم فجأة على الحديث. ونتجاوز قليلاً وعودنا بعدم التطرق إلى اللحظة السياسيّة الحارقة. ونطلب منها تلخيص المشهد الحالي في سوريا. تقول: «سوريا تتعرض لخطة محكمة للقضاء عليها وتجزئتها إلى دويلات وضرب وحدتها. لست مع النظام ولست ضده، لكن قلبي على هذا البلد الذي رفض الخضوع لإسرائيل وأميركا. لذا، لا بد من أن ندرك أنّ الإصلاح لا يحدث بين يوم وليلة. علينا أن نعطي فرصة للنظام من أجل أمان بلدنا».




5 تواريخ


1941
الولادة في حلب

1959
شاركت في تأسيس «المسرح القومي»
مع مجموعة من زملائها. وفي العام التالي مثّلت في مسرحية «أطفال بلدنا» من إخراج الفلسطيني (الراحل) هاني صنوبر

1978
عادت بمسرحية «تخاريف» لماهر صليبي بعد انقطاع سنوات عن العمل

2009
تألقت في شخصية الأم في مسلسل «زمن العار» لرشا شربتجي

2011
مشاركة في مسلسل «الزعيم»
الذي عرض في رمضان، وبداية الاستعداد
لموسم درامي جديد