لا يمكنك أن تضلّ الطريق إليه. حالما تصل إلى بيت القاضي بالقرب من ساحة مسجد الحسين في القاهرة، ترشدك إلى متحفه لافتات كتبت بخطه الجميل. هناك وضع لافتة أخرى، تذكّر أنّه لا يصنع «لوحات تجارية»... بابتسامة عريضة تشبه حرف «الواو» المحبّب إلى قلبه، يبدأ خضير البورسعيدي حديثه. يعبر ستين عاماً وأكثر أمضاها بصحبة الحروف، أو «الأصدقاء» كما يقول. احترف خضير ترويض الحرف في عامه السابع. الظروف التي عاشها في بورسعيد المقاومة للعدوان الإسرائيلي، دفعته تلقائياً إلى الكتابة. كان يكتب مرة ليمارس دوره في مقاومة المحتل، ومرة أخرى ليكسب عيشه، وهو يقلد شقيقه الأكبر الذي سبقه في طريق «الفتنة بالحرف العربي».

لا يذكر كم معرضاً أقام، لكنه يتوقف أمام معرضه الأول على جدران واحدة من المدارس الابتدائية في بورسعيد عام 1963، حين كان لا يزال طالباً. يتذكر بالطبع أحدث معارضه في قاعة «بيكاسو» في حيّ الزمالك، خلال رمضان الماضي. في هذا المعرض وقف يتأمّل لوحاته بحسّ «الأسطى» الذي يرفض فكرة «الاكتمال». الرضى يقتل الموهبة... «لوحتي التي تعجبني لم أرسمها بعد، وما زلت أرى عيوب لوحاتي، لأن عيني أقوى من يدي دائماً».
اكتشف خضير شغفه بالخط مبكراً. عام 1947، بدأ مع رفاق حارته كتابة شعارات تندد بالاحتلال الإنكليزي. «كنت أكتب بالزهرة الزرقاء التي كان الأهالي يدهنون بها الشبابيك خوفاً من الغارات. وكان من بين ما نكتبه عبارات من نوعية «يسقط الاستعمار»، و«مصر فوق الجميع»». وبسبب «الخط المقاوم»، ذاق خضير البورسعيدي مرارة السجن أكثر من مرة: «كنت أكتب شعارات على الجدران، فتعمد قوات الاحتلال الى سجني، ثمّ فكروا في سجن والدي كوسيلة للضغط عليّ، لكن بعد إلقاء القبض عليه، قال لي «اكتب ما تريد». هكذا رحت أملأ جدران السجن بالشعارات نفسها التي كنت أكتبها خارجه». كان شقيقه الأكبر خطاطاً متميزاً، وبفضله واصل خضير طريق الحروف. مع غارات العدوان الثلاثي على بورسعيد عام 1956، اكتشف أنّ لفنّه دوراً غير دوره الجمالي. بدأ كتابة شعارات ضد العدوان، قبل أن يعيش سنوات التهجير، ويخرج مع عائلته إلى مدينة طنطا. هناك التحق بـ«مدرسة تحسين الخطوط العربيّة»، لكنّ أساتذته طلبوا منه أن يتحول من طالب إلى مدرّس قبل أن يحصل على الشهادة. هاجسه القديم بقي ذاته. على سور المدرسة، خطّ جداريّة كبيرة تجسّد ملحمة المقاومة البورسعيدية.
نسأله عن «الأسطوات» الذين تلقى على أيديهم أصول صنعته وفنه. يشير إلى لوحة على جدار متحفه للفنان محمد حسني، والد الممثلة الراحلة سعاد حسني الذي التقاه عام 1958. يخبرنا أنّه أوّل أساتذته بعد شقيقه طبعاً، والمعلمين الكبيرين محمد عبد القادر وسيد إبراهيم.
كان الفنّان البورسعيدي قد بدأ نشاطه التجاري مطلع الخمسينيات، إذ افتتح محلاً كتب عليه «خضير الخطاط». لكنّ هذه العبارة المقتضبة لم تجتذب الزبائن، فعمد الى تغيير اللافتة، ووضع أخرى كتب عليها: «خضير الخطاط بالمقلوب ومن الشمال إلى اليمين». هنا بدأ الناس بالتوافد عليه، بسبب جاذبية الفكرة القائمة على المزاوجة بين جماليات الحرف العربي، وصرامة الحرف اللاتيني. وبفضل طريقة الكتابة «الفرانكو آراب» تلك، لقي البورسعيدي إقبالا لافتاً، وذاع صيته تجارياً، وخصوصاً أنّ الصحف والمجلات راحت تنشر لوحاته وتعلق عليها.
من بين الأعمال التي يفخر بها، وهو يراجع تاريخه، كتابته للمصحف الشريف في لوحات تلفزيونية، تصاحب أصوات مقرئي القرآن الكريم في القنوات المصرية والعربية. كما أنّه كتب المصحف سبع مرات، في نحو 6000 لوحة.
لدى خضير طقوس خاصة، تحكم عمله وتقود مزاجه اليومي. هو يكتب في أي وقت، شأنه في ذلك شأن «الأسطوات» الكبار... كما يستعذب سماع أصوات قارئي القرآن الكريم الكبار، أمثال مصطفى إسماعيل، ومحمد رفعت، ولا يخفي شغفه بآلة العود التي يعزفها، ويبقيها طوال الوقت بجواره. لا يزعجه أيضاً وجود أحفاده الذين يصل عددهم إلى خمسين في بهو منزله حيث يعمل لأنّ «الضوضاء ونس».
يفضّل «شيخ الخطاطين المصريين» صنع خاماته بنفسه، سواء تمثّلت هذه الخامات في أقلام الكتابة أو نوع الورق المستخدم. كما أنّه لا يبيع لوحاته إلا في المعارض التي يقيمها لهذا الغرض. في أركان بيته الكبير توجد أجهزة كمبيوتر عدة، لكنه لا يستخدمها. «هي عاطلة من العمل»، يقول ساخراً، ويضيف: «لا أستخدم الكمبيوتر ولا أتعامل مع برامجه، لكنّ مساعدة لي تتفقّد رسائلي عبر البريد الإلكتروني. لا أفكر في إدخال حرفي إلى الكمبيوتر. الحروف تفقد روحها معه. الحرف زيّ البني آدم، كائن حي، لا أحبّذ حبسه. لذلك أسمّي لوحاتي كأي أب يسمي أبناءه، ولا ألجأ إلى نسخها مهما بلغت قوتها. بدلاً من إضاعة وقتي وطاقتي في النسخ، أفتح قلبي للوحة جديدة».
خلال معرضه الأخير، تلقّى خضير وعداً من وزير الثقافة الحالي عماد أبو غازي، بتأسيس متحف للخط العربي وإقامة مدرسة لتعليم الخطوط تكون تابعة لوزارة الثقافة، بعدما سحبت وزارة التعليم يدها من رعاية مدارس تحسين الخطوط. لكنّ الخطاط العتيق لا يخفي ألمه، وهو يتحدث عن واقع الخط العربي في مصر قائلاً: «كل الدول تكرّم الخط العربي وفنانيه، وتقيم متاحف لحفظ تراثه، إلا مصر. ومن المؤسف أنّ وزارة الثقافة قادها فنان تشكيلي لأكثر من 20 عاماً، إلّا أنّه لم يقدم لفنّ الخط إلا الوعود. وزير التعليم السابق أحمد زكي بدر ـــــ في واحدة من مبادراته العبقريّة الكثيرة ـــــ ألغى تبعيّة مدارس الخط للتعليم الأساسي. هكذا أصبح الخط العربي لا يجد من يرعاه، وتم تشريد معلمي وطلاب نحو 400 مدرسة للخط». لم تعد تلك المدارس إلى ممارسة عملها، رغم تغيير الحكومة والنظام نفسه، في انتظار حكم قضائي في الدعوى التي رفعها خضير البورسعيدي لإلغاء قرار وزير التعليم.
وفي انتظار أن يتحقق حلمه في إقامة متحف قومي للخط في مصر، يعكف البورسيعدي حالياً على إعداد الطبقة الأولى من بيته فضاءً للعرض، أو متحفاً للخط، يضمّ إلى جانب أعماله، لوحاتٍ لخطاطين من مدارس واتجاهات مختلفة. كما يستضيف في بيته لقاءات أعضاء جمعية الخط ونقابة فنانيه. «هذا ضروري، فلا فنّ من دون راعٍ له، وأنا الآن أقوم بدور الراعي».
وعلى رغم تكريمه من مؤسسات عربية وعالمية، وحصوله على جوائز عدّة، أبرزها جائزة الدولة العراقية، لم يحز خضير جائزة الدولة في مصر... السبب أنّه لم يجد جهة ترشحه، فهو يخجل من ترشيح نفسه عبر جمعية «الحفاظ على الخط العربي» التي يتولى رئاستها. كما أنّه لن يطلب من جهة ما أن ترشّحه «بعد هذا العمر الطويل».




5 تواريخ

1942
الولادة في بورسعيد (مصر)

1950
بدأ عمله الاحترافي طفلاً في أحد المحالّ التجاريّة

1994
تأسيس «جمعية الحفاظ على الخط العربي»

2010
رفع دعوى قضائية ضد وزير التعليم السابق أحمد زكي بدر بسبب فصله مدارس تحسين الخطوط عن وزارة التعليم

2011
يعمل على تأسيس أوّل نقابة لفنّاني الخط العربي في مصر