لا يقلقه المشهد. «جرّبنا أفظع منه» يقول حمدين صباحي فيما كان حصار أمني يضرب وسط القاهرة، والقناصة فوق سطوح العمارات إبان «ثورة 25 يناير». هذا الرجل، كان في يوم من الأيام طالباً، هتف محمولاً على الأكتاف في انتفاضة الخبز (كانون الثاني/ يناير 1977): «يا حاكمنا من عابدين، فين الحق وفين الدين»، و«همّ بيلبسوا آخر موضة، واحنا ننام عشرة في أوضة». هو أيضاً الذي اخترق الحصار على تظاهرة «لا للتوريث» في 21 أيلول (سبتمبر) 2010، بالحماسة القديمة ذاتها، والهتاف نفسه، يضاف إليهما فقط شعر شائب. انضم إلى فعاليات شعبيّة كثيرة، رفعت الصوت مطالبةً بمنع وصول جمال مبارك إلى رئاسة مصر. يحنّ اليوم إلى تلك التظاهرة، ويقهقه قائلاً: «العيال أسقطوا الطاغية».


كاريزما الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ورّطته صغيراً. غواية العمل السياسي نبتت عنده في المدرسة الابتدائية، ولم تنتهِ مع السادات، ولا حتى بعد سقوط مبارك. في أواخر ستينيات القرن الماضي، كان كل طلاب مدرسته يترقبون أن يقف الطالب حمدين صباحي ـــــ رئيس اتحاد الطلاب في مدرسة الشهيد جلال الدين الدسوقي ـــــ وجهاً لوجه أمام ناظر المدرسة. لم يخشَ يومها من إبلاغ الناظر الظالم احتجاج الطلاب على «تعرّض أحد زملائي لضرب مهين». صفع الناظر التلميذ العنيد، ونحّاه عن رئاسة الاتحاد، فصمّم على موقفه أكثر. تطوّرت الأزمة. تذمّر الطلاب، فنُقل الناظر، وعاد الصبي إلى رئاسة الاتحاد.
ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقّف حمدين صباحي عن «المشاكسة»! في عام 1977، كان ضمن «اتحاد طلاب جامعات مصر» ممن التقوا هذه المرة «ناظر مدرسة» أكبر، هو الرئيس الأسبق أنور السادات! زملاؤه راقبوا ملامح السادات تزداد توتراً عندما راح صوت حمدين يعلو احتجاجاً، وهو يهاجم الرئيس: «أرض الفلاحين انتُزِعت. أنا ضد سياسة الانفتاح الاقتصادي. الخطة لنهضة مصر اقتصاد اشتراكي. الطفيليون نهبوا تعب الشعب. يسقطون تاريخ مصر الذي شاركت في صنعه». ردّ السادت: «ده شغل السلطة»، لكنّ الطالب أجاب: «لا. هذا يجري على أرض الواقع، فيما تقوم حضرتك بتكذيبه. وفلسطين؟». هنا، كفر الرئيس المؤمن بالحوار: «خليك محدد يا ابني». تصاعد قلق القاعة، لكنّ الطالب واصل مطالباً بـ «الدعم المستمر للمقاومة الفلسطينية وعدم الاعتراف نهائياً بالكيان الصهيوني». في اليوم التالي، خرجت الصحف تشيد بسعة صدر الرئيس، فيما تولت أجهزة النظام ملاحقة الشاب «الوقح»!
أمّه عمّدت طفلاً بشوشاً: «تعلّمت منها كيف تكون الابتسامة من معايير الجمال في العالم». وككلّ أبناء السواحل أغوته أمواج البحر، فظهرت عليه مبكراً نزعة الكتابة. كتب الشعر والقصة القصيرة، صبياً، احتفظ بها حتى الآن. «قد تنشر يوماً، من يدري؟». لديه شغف بالسينما، ويحب النقاش فيها. «أليس حيويّاً وممتعاً أن تخوض نقاشاً فكرياً وجمالياً حول أفلام مثل «القيامة الآن» لفرانسيس فورد كوبولا، أو «عمر المختار» لمصطفى العقاد؟». يتوقّع حمدين أن تشهد أدوات السينما بعد الثورة ومواضيعها، تطوراً كبيراً. كان قد طمح إلى دخول قسم الإخراج في معهد السينما، بعد إتمامه دراسته الثانويّة، لكنّ رغبة الأب، الذي أنجب ثلاثة أبناء، وثماني بنات، لم يتعلّم منهم إلا هو، دفعت بحمدين إلى دخول كليّة الإعلام، لكنّ ابنه محمد تخرّج من معهد السينما، كما حرّض ابنته سلمى على حب الفن، فصارت مذيعة ومغنية هاوية، وهو يحب أن يستمع إليها، وخصوصاً عندما تؤدّي أغنيات أم كلثوم أو فيروز.
عندما مات عبد الناصر (1970) بكى المراهق كثيراً، وقرّر أن يسير في درب السياسة. في العام نفسه، أسّس في مدرسة بلطيم الثانوية «رابطة الطلاب الناصريين». منذ ذلك الحين وهو يؤمن بأن الشعب هو القائد والمعلم، وهو الذي يدفع الضريبة. تعرّض لمحاولة اغتيال عام 2006. طاردته سيارة، وهو عائد إلى مسقط رأسه في كفر الشيخ الساحلية. نجا بأعجوبة، بعدما أصيب بكسور بالغة. وفي مساء 9 أيلول (سبتمبر) الحالي، كسر مجهولون سيارته الشخصية، تحت مقرّ «حزب الكرامة» الناصري الذي أسسه مع آخرين هذا العام.
ابن الطبقة الفقيرة الذي يسكن في شقة متواضعة، يدفع ثمنها بالتقسيط، منحاز لبرنامج «ثورة يوليو»، الذي نادى بحياة ديموقراطية سليمة، وبعدالة اجتماعية. ومن الطبيعي أن تكون حقوق الفلاحين والعمال والمهمشين هي القضية الرئيسية للمرشّح الحالي لانتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة. من المهمّ أن نذكر هنا أن حمدين قاد مسيرة احتجاجية للفلاحين ضد القانون 92 لسنة 1996 الذي أعاد إلى الإقطاعيين أراضي أممتها «ثورة يوليو» ( 1953)، ما تسبب له حينذاك بالاعتقال.
اليوم ، يواجه حمدين صباحي مأزق ما بعد الثورة. موقف الرجل وسطي من المجلس العسكري الحاكم، ما يضعه في موقف محرج مع تزايد الانتقادات الشعبية للمجلس الذي يعطل تحقيق مطالب الثورة. حمدين صباحي الذي دعا الجماهير إلى النزول في «مليونية تصحيح المسار»، لا يتهرّب من موقفه هذا، لكنّه يبرِّره، متمسكاً بشعرة معاوية. «العلاقة الوثيقة بين الجماهير والجيش، مستقرّة في وجدان المصريين، وقطعها خطأ استراتيجي. الوحدة معه هي ضمانة لتحقيق مطالب الثورة. وفقدانها يندرج في مصلحة فلول النظام السابق». في رأيه، الحل الأفضل يكمن في «مجلس رئاسي مدني، يُمَثَّل فيه أعضاء من المجلس العسكري، مع أغلبية من المدنيين في انتظار إجراء انتخابات رئاسية، يعود بعدها الجيش إلى الثكَن».
المرشح الشعبي يواجه مأزقاً آخر، هو علاقة مصر الثورة بالكيان الصهيوني. لا أحد من مرشحي الرئاسة، يؤيد رغبة الجماهير في قطع العلاقات مع إسرائيل، وإلغاء كامب دايفيد. صديقنا مع إلغاء الاتفاقية «إذا أراد الشعب ذلك»، بل يذهب أبعد من ذلك: «إذا فُرض علينا القتال، فسوف نحارب».
المرشّح الرئاسي قاد قافلة شعبية لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة (2008)، كما كَرَّم في نقابة الصحافيين قبل أيام الشاب أحمد الشحات الذي نزع علم إسرائيل من فوق سفارتها في مصر، رغم أنّه لم يؤيّد علناً اقتحام تلك السفارة. «هناك أيادٍ خفية تحاول تشويه صورة الثوار الذين خرجوا في «مليونية تصحيح المسار»، لكنّ الشعب المنتصر سيتجاوز غارات جيش الفلول المهزوم». حمدين صباحي المؤمن بقدرة الشعوب على إحداث فرق في حركة التاريخ، يؤمن بأنّ الضربة الحاسمة للجماهير يمكن أن تحدث «بحمدين، أو غير حمدين. هذا هو بيت القصيد».




5 تواريخ


1954
الولادة في مركز بلطيم
في محافظة كفر الشيخ
(شمال مصر)

1977
انتقد الرئيس السادات في لقاء حاشد
مع اتحاد طلاب جامعات مصر، بعد انتفاضة 18 و19 كانون الثاني (يناير)

1996
قاد تظاهرة كبيرة دفاعاً عن حقوق الفلاحين ودخل المعتقل على أثر ذلك

2009
أطلق أول حملة ينظمها مرشح شعبي لرئاسة الجمهورية قبل الثورة

2011
أسهم في تأسيس
«حزب الكرامة» الناصري ويستعدّ
لخوض انتخابات الرئاسة