يقطع نذير إسماعيل يومياً مسافة ساعة للانتقال من بيته في دمّر البلد إلى مرسمه في حي الأمين، وسط دمشق القديمة، لكن التشكيلي السوري البارز، لا ينسى أن يخزّن الوجوه التي تعبر أمامه كل يوم في شريط ذاكرته. وإذا بها تزدحم فوق قماش لوحته في وضعيات مختلفة. وجوه فزعة وأخرى مطمئنة، وثالثة تعيش قلقاً عميقاً. عيون مغمضة، وأخرى مفتوحة باتساع. وقبل أن يضع خطوطه الأخيرة، سوف يتسلل طائر ما إلى فضاء اللوحة فيتخذ مكانه فوق رأس أحدهم، «كأن على رأسه الطير». لا يوضح نذير إسماعيل فصيلة هذا الطائر: هل هو نبوءة شؤم أم بشارة، ذلك أنّه في بورتريهاته، يرسم يومياته في أحواله المتعددة، تبعاً لمخزونه البصري والوجداني.


لم ينتسب هذا التشكيلي إلى كلية الفنون الجميلة مثل مجايليه من جيل الستينيات. لكن شغفه في اللون يعود إلى سنوات طفولته المبكرة في حي الميدان الدمشقي، إذ كان يقيم بجوار مشغل للبسط اليدوية، وكان يجمع بقايا خيوط الصوف المهملة، ليضعها في كأس مملوءة بالماء، وينتظر «مسحوراً تسرّب اللون إلى الماء» يقول.
جاءت حادثة أخرى لتترك تأثيراً عميقاً في مساره، إذ كان الفنان الشعبي أبو صبحي التيناوي صاحب الرسوم المشهورة عن عنترة وعبلة، يستأجر دكاناً ملاصقاً لبيت جده في حي باب الجابية: «كنت أقف متأملاً تلك الرسوم بدهشة، وكيف كان أبو صبحي لا يتوانى عن وضع ذيل حصان عنترة، أو سيف الاسكندر ذي القرنين خارج الإطار، إذا لم تكفه رقعة الزجاج التي كان ينقش شخصياته فوقها».
ستقوده قدماه لاحقاً إلى مركز الفنون التطبيقية، ويدرس فن الطباعة على القماش، بتأثير مشاهداته الأولى.
يصمت نذير إسماعيل قليلاً، ثم يستعيد مشهداً مغايراً: «توفي والدي وأنا في الخامسة من عمري، فاضطرت والدتي إلى إيداعي في ملجأ للأيتام، وهذا ما أتاح أمامي التعرف إلى دمشق أكثر. كنت خلال يوم العطلة، أتجول في شوارع لا أعرفها. التقطت مرةً ورقة مرمية على الرصيف، فتبين أنّها نشرة توزعها وكالة «تاس» السوفياتية. انتبهت إلى عنوان الوكالة، فكتبت عنواني في الملجأ للاشتراك في منشورات الوكالة».
فعلاً بدأت تصله نشرة أسبوعية تحوي أخباراً وتقارير عن الاتحاد السوفياتي، لكن ما لم يتوقعه الطفل أن تحضر بعد أشهر دورية من الشرطة لاعتقاله. كانت فترة اعتقال الشيوعيين أثناء الوحدة السورية المصرية. رئيس الدورية فوجئ بأنه أمام طفل في العاشرة، فأعاده إلى المهجع.
يختصر نشأته كالآتي: «تفتح وعيي المبكر على قضايا عامة، انتهت بي إلى الماركسية»، كما يستعيد بيروت الستينيات التي أقام فيها نحو خمس سنوات «أغنت تجربتي إلى حدٍّ كبير نظراً إلى الحراك الثقافي الصاخب الذي كانت تعيشه المدينة».
في إحدى زياراته إلى دمشق، علم أنّ فاتح المدرس يتردد إلى أحد المقاهي، فاقتحم طاولته، وطلب منه أن يرى لوحاته.
رحّب التشكيلي المعروف بهذا الشاب المتحمّس، وذهب معه إلى بيته ليشاهد أعماله: «طلب مني ورقة وقلماً، وكتب لي خطة عمل من أحد عشر بنداً، أولها أن أرسم بالأبيض والأسود، فكانت هذه الوصفة خريطة طريق بالنسبة إليّ. وأكثر من ذلك علّمني أن أكون جديّاً». هكذا انكبّ على الرسم بالأبيض والأسود لمدة عقد كامل، واكتشف عن كثب قيمة هذه النصيحة.
في «جمعية أصدقاء الفن»، انخرط في تجربة جديدة، لكنها مختلفة عمّا كان يرسمه زملاؤه، فرفضت لجنة المعارض التي تشرف عليها وزارة الثقافة إشراك أعماله في المعرض السنوي الأول.
ثم بعد مكابدات، وافقت اللجنة على مشاركته في المعرض الثاني، وحين ذهب إلى الصالة وجد أعماله في ركن معتم، لكن كتابات نقدية أثنت على خصوصية تجربته، فأحس بشحنة معنوية كان بحاجة إليها، عززتها موافقة التشكيلي المعروف نعيم إسماعيل على تقديم معرضه الفردي الأول.
لا يكتفي هذا التشكيلي الدؤوب بمنظر السطح، إنما يسعى إلى استعادة الهوية الأولى للأثر، وتعاقب الأزمنة والبشر على المكان الواحد. مرسمه الحالي ــــ يوضح ـــــ كان مشغل خياطة لشخص يهودي، ثم شغله خياط فلسطيني بعد النكبة الأولى. وها هو يفتش اليوم عن أرواح بشر وطئوا هذا المكان، وتركوا ذكرى ما، تنهيدة، أو كتابة على الحائط، أو أثر أقدام على البلاط. هذه العلامات اللامرئية هي ما يمثل عناصر لوحته في حفرياتها ورصدها تضاريس الوجوه.
عدا ذلك، يشير إلى ولعه بالأشياء المهملة. في مسيره اليومي إلى مرسمه، قد يلتقط قطعة حديد صدئة، ويحوّلها إلى عمل فني، أو يجمع بطاقات بريدية قديمة تحمل مناظر لمدينة دمشق، ويعيد الحياة إليها من منظور آخر.
هو لا يركن إلى منجزه مهما كان بريقه. ينظّف عينيه من الغبش لإغناء بصره وبصيرته، سواء في ما يخص تقنياته، أم لجهة موضوعاته.
«أخشى الجملة البصرية المستقرة» يقول. من هذا الباب، ذهب ذات مرة إلى قرية شهبا في الجنوب السوري، وأحضر تراباً من مكان يدعى «تل المسيح» لاستعماله كلون محلي في طباعة صور فوتوغرافية عن تاريخ دمشق. يؤكد مرةً أخرى «علينا أن نطعّم أعمالنا بهوية محلية».
عدا أعماله الشخصية، يقتني نذير إسماعيل مئات اللوحات لرواد التشكيل السوري من عشرينيات القرن المنصرم إلى ستينياته، أمثال سعيد تحسين، وفاتح المدرس، وخزيمة علواني، وأدهم إسماعيل.
هناك أيضاً نماذج من الفن الشعبي السوري بكل تنويعاته ومدارسه، من بينها أيقونة من القرن السابع عشر، ولوحات لخطاطين كبار مثل رسا التركي، الذي أعاد كتابة خطوط الجامع الأموي بعد حرقه، ومتشكين الفارسي، ووريثهما السوري بدوي... وصولاً إلى تصاوير توراتية وبيزنطية وإسلامية لقديسين وأنبياء، يرى أنها التعبير الأمثل عن غنى الحضارة السورية وتنوع مرجعياتها الدينية والثقافية.




5 تواريخ





1946
الولادة في دمشق

1969
معرضه الفردي الأول في دمشق

1980
جائزة أنتر غرافيك في برلين

1996
جائزة بينالي الشارقة الأول

2011
معرض مشترك مع النحّات
مصطفى علي في الدوحة