في عيد العمّال الفائت تلقّيت من صديق في الغربة ـــــ حيث لم يحالفه الحظّ ـــــ رسالة عاصفة حرْتُ ماذا أفعل بها. قال انشرْها وقال لا تنشرها. أمس غاب إلى الأبد.

اليوم، وقد بات كلّ يوم «ذكرى» العمّال، أسمح لنفسي بإثبات أجزاء منها، معتذراً من روحه لما قد يلحق بها من استنكار، لعلّ خاطره يطيب من حيث لا أدري:
«... تعرف أكثر ما أتأسّف عليه؟ لا، ليس الصبا، ولا صداقة ولا علاقة، بل يوم كان صاحب لي يسألني، في أيّام بحبوحته، إنْ كنتُ بحاجة إلى «دعم»، فأجيبه: لا...
كانت تلك هي الحريّة.
اليوم أيضاً قد أجيب لا، ولكنْ على أمل أن لا يصدّقني...
أهذا الانحدار هو المصير المرتجى؟ وثواب الكادحين؟ هذه الحرقة؟ عدالة الله في متّقيه؟
تبّاً لك أيّها الفاشل، لا أعرف إنْ كانت ستتاح لك فرصة بعد. أكيد لا. ولكنْ دعني أُفرغ صدري.

■ ■ ■

(...) لا يهمّ ما وراء المال، المهمّ ما أَمامه. مالٌ قذر، تقول، وأيّ مالٍ نظيف!؟ الحرامي يسطو على ملك المالك الذي كان قد سطا على ملكه من حراميّة. ولا محلّ لكم أنتم «العمّال»، لا محلّ لكم من الإعراب غير الأجرة. أجراء، تكسبون ما يُمكّنكم من البقاء عبيداً. تدورون في دوّامة التنافس على البقاء عبيداً. تدخلون مطحنة عظامكم شاكرين.
«عيد» العمّال؟ وبقيّة الأيّام شو؟ كيف يرضى أحد أن يقام له عيد يوماً واحداً في السنة؟ الباقي شو؟ عيد الأمّ يوم، والباقي؟ تذكار الموتى يوم، والباقي نسيان؟ ألا يستحقّ الكادحون والكادحات أن يكون ولو جزء من يومهم احتفالاً، عيداً، فَرْقعة؟ وكلّ يوم؟ كيف يُسرّب الواحد على بيته بعد الشغل إذا لم يكن في انتظاره عيد؟ كيف تحتملون أنتم أيّها الكتّاب حياتكم بدون قبابيل يوميّة؟ كيف تحتملون صوركم في المرايا إذا لم تفاجأوا بأنفسكم كلّ يوم؟ أيّة عفونة هي حياتكم؟
أنت لا تلتكش بالأثرياء، وهل تظنّهم يلتكشون بك؟ أنت شو؟ الملياردير ربّها، أنت شو؟ ربّ شو؟
هل تسمع خطاب هذا المسؤول؟ إنه يقول لكَ ما يجب أن تعمل لتكون إنساناً صالحاً ومواطناً فاضلاً. سَلْه على كَمْ ينام. لا على كم هَمّ بل على كم مليون. هؤلاء الحكماء الزعماء النزهاء، أصحاب الشوارب والمناكب، مالكو البَشَر، المهرّبون، العملاء، سَلْهم من أين لهم هذا الأمان، هذه الثقة، هذه الراحة، هذا الفهم الخطير؟
لا تلتكش بهم؟ وهل تظنّهم يلتكشون بك؟ بسعيد عقلك؟ ببودليرك؟ بالياس أبو شبكتك؟ بمجلّة «شعرك»؟ بسورياليتك؟ حفظوا اسم جبران لأنّه لا يحتاج إلى قراءة! آرما... بطاقة معايدة... سياحة... خَرْج وزرا الثقافة. لازم يعملوهن وزرا دَفْن الأدبا والفنّانين. وإهداء الدروع (دروع!!!). الثقافة عند اللبنانيّين هي التلفزيون. لا تتعبوا. مكسيموم ستكونون، أنتم الأدباء، مثل حشو «معنوي» لدى بعض الصحف يتحمّلونكم وهم على أحرّ من الكهرباء للخلاص منكم.
لا تلتكش بهم؟ نيّالهم! نيّال مَن لا يلتكش به «مثقّف»! نيّال القصور لا تلتكش بها الأكواخ! نيّال المستغني عنكم وعن ثقالاتكم وعن ضمائركم وعن كتاباتكم العنّينة! أزغر أزعر يُربّيكم. مَن يبلع أكاذيب حكّامه وحكّام حكّامه لا يحقّ له أن يحمل قلماً. كاتب وجبان؟ كأن تقول: نسْر دجاجة!

■ ■ ■

اسْتَرْجِ نشور هالمكتوب! إذا لم تنشر سأنشر عرضَك، وإذا نشرت سأنشر عرضك. في جرائدكم صار هذا يساوي ذاك. أعظم ما توصّلتم إليه في نفاقكم هو خَلْط الحقّ بالباطل والكلمة بالفراغ. لم يُمرّغ العقل بالوحل كما مُرّغ مُذ أُبيح الحكي للمأجورين. لم تظبطْ معكم إلّا في اختراع الأوهام، وليس دائماً بل نادراً، ثم طَحَنَتْكم أوهامكم، ولا سيما منها الإناث. خنقتموهنّ بالأساطير وخنقناكم بالواقع!
يا لأعصابكم من مصانع! يا لأقلامكم من منحدرات سراب!

■ ■ ■

لم يكن فهيماً بينكم إلّا الانتهازي. وأذكاهم مَن اهتدى إلى أفضل المحسنين: زعماء العصابات. إيزي كام إيزي غو. عندهم ضعف للفنّانين والكتّاب، يمسحون قذارتهم بهالاتهم.
اكْرَهْ فقرك يا رجل، اكره! اكره الأغنياء طبعاً، وأيضاً الفقراء كما كان يقول محمّد الماغوط. حاجْ تمدح الفقر، هيدي حجّة للفشل، للاستمتاع بالفشل. اكرهْ نفسك مستسلماً، انتفضْ، ليت شعري! ادخلْ فرح سيّدك، شي واحد من هؤلاء القياصرة، قدِّم له ما تبقّى منك، نافق أيّها الغشيم، اخترعْ، قَلّدْ، تَعلَّم، اهدِ إليه ماضيك، عذريّة ماضيك، خصوصاً اليساري والفوضوي واليميني (ما الفرق!؟)، ماضيك العفيف الشريف، الثائر المجنون، البكر، كي يُمرّن أنيابه الزرقاء!

■ ■ ■

أتَذْكُر كيف كنّا؟ نقول عن أنفسنا متمرّدون ونملأ شوارع الأشرفيّة غناءً! أصغر تمرّد كان يُفزعنا. متمرّدون ونرفض السرقة، متمرّدون وندين البغاء، متمرّدون ونتكبّر على الشحّاذين، متمرّدون ونشجب الإرهاب، متمرّدون على نسائنا فقط. أطفالنا صاروا يكسرون رأسنا.
مِنْ جُوّاةِ فشلي هنا في المهجر أناشدك: إذا بعد فيه وقت، عَرْبش! ضع كومةَ الأفكار الميتة هذه قدّامك ودَعْوسْها! هلّق! اجْتَزْ هذا الفحص فوراً،
وإلّا طأطئ رأسك ولا تفتح فمك بعد اليوم. قَضيّتها ثرثرة بينما حفنة من الأذكياء يكوّمون الحياة، الحياة الحقيقيّة، بين أيديهم وتحت أسنانهم. سحقاً لكم يا شَغّيلة الألفاظ، أهل المقاهي وأبطال الاستمناء، نيّمتمونا في ظلال الأغاني وأيقظتمونا في القبور.

■ ■ ■

أتذكُر؟ أتذكر سخريتي منك وقتها؟ من وقتها؟ ولكنّي ضمناً كنتُ أحسدك. أنت لم تكن ترى نفسك، أنا بلى، كنت أراك، من تحت دخان اللّأمَنَة وقهقهاتي المفتعلة كنت أراك، وكنت أحسدك على انخطافك، وأخاف عليك، وأدعو لك، وأدعو عليك...
لم تنفتح لك إلّا الأبواب التي قرعتَ ولم تسمع غير ما حلمتَ بسماعه. نيّالك! أنا حلمت معك، رغماً عني، فاشلاً سلفاً! لا ربحت الحلم ولا ربحت اليقظة. أنت على الأقل ستموت مكلّلاً بالغشاوة!...

■ ■ ■

يا مَحطَّ نقمتي، يا ثأري ويا تمام هزيمتي، قهري عليك لا يوازيه غير قهري منك ومن استهتارك، من مهزلة مُثُلك، ومن هَبْلَناتٍ كالحبّ والشعر، ومن عدم شعورك ولا لحظة أن تبشيراتك الهذيانيّة تدعو إلى الضحك.
لم أفهمك. كيف أفهم نرجسيّاً يعشق سواه!؟
أنانيّاً يلغي ذاته؟
قادراً يُحبط ذاته؟
مسافراً يُتوّه ذاته؟
تَحمّل فظاظتي، معليش، أنا سكران وأريد أن أفشّ خلقي. كلّما تذكّرتك فار دمي. وبالفصحى أيضاً لا تزال تكتب!؟ كيف لا تجنّ؟ وحريص على القواعد!؟
ما دمتَ قد تحمّلتَ حياتك ولم ينفجر رأسك فأنت قادر على تَحمّلي (...)
(...) لن أُجهدك أكثر. ما عادت تحرز. وعلى قولك: «لأنّها هيك، هذه الحياة، لأنّها هيك، خذْها كما تتخيّلها، اسكبْ أمانيك في الكأس، ليس في الكأس غير أمانيك»، على قولك، عافاك يا مسكين.
وبدوام الغيبوبة».