ليس لدى سيف الرحبي أي شكوك في أنّ شرارة الثورات العربية ستشعل النار في الحطب اليابس، وستمتدّ إلى التضاريس الأخرى في الخريطة العربية. الدرس الوحيد الذي سعت الأنظمة العربية ــــ بمختلف ألقابها وتسمياتها ــــ إلى تعليمه لمواطنيها هو «تمارين على العبودية والخنوع والخزي». يرغب الشاعر العُماني المعروف في اكتشاف أمكنة أخرى ليس من بينها «المكان الذي ساق أبناءه إلى المذبحة».


لهذا السبب، عاش جوّالاً بين مدن كثيرة، قبل أن يستقرّ أخيراً في بلده، وسط بهجة العائلة، وصخب الأطفال، وعزلة «الجبل الأخضر». سيرة صاحب «حياة على عجل موزّعة بين جغرافيات متعدّدة، تركت بصمتها على نصه في المقام الأول؛ إذ يتماهى السرد بالنبرة الشعرية على نحوٍ متشابك. نسأله أولاً عن انتساب ترحاله إلى حال الغجري أم حيرة البدوي، يجيب قائلاً: «عشت في بيئة شبه بدوية، في بقاع منسية تحيط بها جبال جرداء وقاسية، وتالياً فإنّ مفهومي للترحّل سواء في الحياة أو الكتابة، ينتسب إلى مرجعية بدويّة أولاً». كان قدر الفتى الذي ولد في قرية جدباء تدعى سرور، أن يكون فقيهاً دينياً، على غرار والده الذي أغرقه في قراءة الكتب الدينية والشعر القديم، والمخطوطات المحلية لشعراء مجهولين...
منحة دراسية إلى القاهرة أنقذته، وجعلته يتنفّس هواءً آخر. وجد نفسه أمام أسئلة قاهرة السبعينيات بكلّ صخبها وأضوائها وتياراتها السياسية المتلاطمة. «كنت قريباً من أحزاب اليسار، لكنّ نزوعي الشعري احتلّ حيزاً كبيراً في ظلّ تلك الجلبة العربية»، يقول. يستعيد مناخات تلك الحقبة العاصفة بنوع من الفقدان، متذكّراً دهشته الأولى بقراءات مختلفة لمجلات أسّست وعي ذلك الجيل مثل «الطليعة»، و«الكاتب»، و«شعر»، و«إضاءة 70»... إضافةً إلى نوادي السينما، ويوميات فوضويّة، وعدميّة مفتوحة على سجالات ساخنة. مشهد ترحيل الروائي الراحل غالب هلسا من القاهرة إثر ندوة عن كامب ديفيد، وملاحقة بعض الطلاب العرب، واعتقالات الأصدقاء، وضعته في موقف حرج، فشدّ الرحال إلى أبو ظبي للتدريس هناك، ثم غادرها إلى بغداد. «بمجرد وصولي إلى بغداد، أحسست بمناخ بوليسي وكابوسي ضاغط، فقرّرت بعد أسبوع من الإقامة أن أغادر إلى الشام».
للفضاء الدمشقي حصته الكاملة في وجدان صاحب «رجل من الربع الخالي»، منذ أن وطئت قدماه عتبة أول بيت في حي ركن الدين، مروراً بشوارع العاصمة وحاناتها ومقاهيها واختلاطه بمثقفيها. هنا بزغت بذرة الشعر الأولى، فكانت مجموعته الشعرية «نورسة الجنون». يعترف بأنّ محاولاته الأولى كانت أسيرة «المرجعيات المبهرة»، بدءاً من الماغوط، وأدونيس، وأنسي الحاج إلى شعراء التدمير والهاوية من السورياليين. لكنّه سيسعى في كتابه الثاني «الجبل الأخضر» إلى كتابة نص طويل ومتدفق، من دون تشذيب. فقد كانت جبال الطفولة تلحّ عليه باستعادتها. «نادراً ما أشذّب نصوصي بعد كتابتها، ولا أعلم إن كان ذلك خسارة بلاغية أو فضيلة». ويستدرك: «على الأرجح فإنَّ نبرتي الشخصية لم تتضح إلا مع «أجراس القطيعة». بدأت أتلمّس هول كتابة الذات وجحيمها الأبدي». سيتخذ نص صاحب «رأس المسافر» مساراً مختلفاً، وهو يتوغّل في أسرار الصحراء، وهوام الليل، والموروث البدوي المغلق على أوهام أسطورية. «كان عليّ أن أكتب المكان من ضفة أخرى، بأقصى حالات الاستبداد اللغوي كمواجهة صريحة مع استبداد هذا الموروث في مشهد رعوي بدوي، تغلفه روح فجائعية».
نداء الصحراء والجبال سيتسلّل إلى نصوصه اللاحقة بحفر مشهدي أعمق، مختلطاً بغموض البحر. يقول موضحاً هذه الثنائية: «بات نصي مزيجاً من صفير السفن المرتحلة بعيداً، وعواء الذئاب في الكهوف». هكذا سيعود بعد ثلاثة عقود إلى فضائه الأول «الجبل الأخضر»، ليكتب المكان بعينٍ أخرى في تدفّق هذياني ولغوي متفجّر، تختلط فيه الشعرية بالنثر الطليق، متلمّساً مصير الكائن في ترحاله، ورائحة الأمكنة، والوشوم البدوية ومتاهة الرمل. في كتابه الأخير «رسائل في الشوق والفراغ: حول رجل ينهض من نومه ويتجّه نحو الشرفة» (دار الآداب)، يفتتح نصوصه بعبارة تختزل أرق العمر: «أمّا بعد، فلا شيء يستحق الذكر»، كأنَّ سيف الرحبي وصل إلى مفترق طرق، في مواجهة فخاخ العزلة. «إنّني وحيد في صحراء متلاطمة الرمال، والخواء سوّر الجهات». في الرسالة الطويلة التي يوجهها إلى المرأة التي يحبّ، يسفح أشواقه ومكابداته كما لم يفعل من قبل. «الترحّل معك استقرار، والإقامة من غيرك رحيل». كذلك يقتفي سيرة متشظية في كتابة متاهة الرمل، وأرواح الغائبين، وقسوة الفراغ... «الفراغ الذي نتعثّر بصخوره المسنّنة كلّ صباح، ونرتطم بجباله وهاوياته في كلّ مساء، في النوم واليقظة»، يقول. الضجر هو ما يقود صاحب «يد في آخر العالم» إلى السفر والتجوال والاستكشاف. وتالياً فقد ذهب نصّه أخيراً إلى الاشتباك مع مفردات جديدة في يومياته، مثل غرف الفنادق، والمصعد، وعربة القطار، والأدراج الكهربائية، ووضعها في سياق بلاغي يتجاوز معناها المباشر.
في الفندق الذي جمعنا معاً في مدينة دبي، كنّا أسرى قفص معدني ضخم، مؤلّف من 48 طبقة معلّقة في الفراغ. نتوه بين رهبة المصعد، ومتاهة الممرات والغرف واللغات المختلطة، في أقسى اختبار للبداوة. يعلّق على حالة المصعد: «ينتابني شعور النهاية في هذا القبر المعدني. فما أن يتوقف لعطل فنّي عابر، إلا ويسيطر عليّ هذا الإحساس، وتسري رجفة التوتّر وما يشبه بداية الانهيار في أوصال جسدي». هذه الحيرة بين سطوة البداوة واختراق المسافات إلى المدن المعولمة، تختصر حياة هذا الشاعر المرتهن إلى قبلية قسرية تشبه بيضة الرخ، مهما حاول كسر قشرتها الصلبة. من هذا الباب، فإن الترحال الموقّت خارج المكان الأصلي، محاولة شاقة للعيش على نحوٍ آخر. ولعلّ سلطة الكتابة وحدها هي العزاء في مقاومة الاختناق، أو «الموت البطيء»، كما يشتهي تسميته. هكذا وجد أخيراً في الإقامة عند تخوم «الجبل الأخضر» في عُمان، ملاذاً للسكينة، في رحلة تأمّل تشبه عزلة البوذيين، سنجد جانباً منها في كتابه الذي سيصدر قريباً تحت عنوان «نسور لقمان الحكيم».





5 تواريخ

1957
الولادة في قرية سرور
(شمال سلطنة عُمان)

1975
درس الصحافة في القاهرة

1981
صدر كتابه الشعري الأول
«نورسة الجنون» في دمشق

1994
أسّس مجلة «نزوى» الثقافية الفصليّة
التي ما زال يرأس تحريرها

2011
«رسائل الشوق والفراغ»
الذي يضمّ مجموعة نصوص أبداعيّة، صدر أخيراً عن «دار الآداب» البيروتيّة