يستعيد «نادي لكل الناس»، فيلم «لبنان... لماذا ؟» (١٩٧٨) لجورج شمشوم الذي يعرض عند الساعة السادسة والنصف من مساء اليوم في «مترو المدينة» (الحمرا ــ بيروت). ينتمي جورج شمشوم (١٩٤٦) إلى جيل الرواد في السينما اللبنانية كالراحل مارون بغداي، والمخرج برهان علوية أو جان شمعون الذين أسسوا في السبعينيات لسينما جديدة مختلفة، غير شعبوية أو فولكلورية كما أفلام محمد سلمان مثلاً. هي حركة بلورت الحرب اللبنانية رؤيتها السينمائية.


اشتهر شمشوم بفيلمه «رسالة (أو سلام) بعد الموت» (١٩٧٢) الذي أدّت بطولته الممثلة المصرية سميرة أحمد. بعدها، أخرج «لبنان... لماذا؟» (١٩٧٨) الذي صور أثناء الحرب الأهلية ويعد بمثابة وثيقة فعلية تشرح هذه الحقبة من تاريخ لبنان. شهادات مختلفة ومتنوعة صوّرها المخرج، وتجمع بين السياسيين وقادة الأحزاب أو حتى الفنانين كما الرسام رفيق شرف أو عامة الشعب.
هكذا يعرض كل وجهات النظر المتناقضة والذرائع أو الأسباب التي قامت على أساسها الحرب الأهلية اللبنانية. يعرض الشريط مقابلات مصورة مع أغلب الشخصيات البارزة في حينها. من جهة الزعماء المسيحيين، يظهر ريمون اده الليبرالي الذي رفض أن يشارك في الحرب اللبنانية، ورئيس الجمهورية الأسبق ورئيس الجبهة اللبنانية كميل شمعون، وبشير الجميل الذي أضحى لاحقاً رئيساً للجمهورية قبل أن يُغتال.
ومن بين زعماء المسلمين، نشاهد رئيس الوزراء السابق صائب سلام، وزعماء الحركة الوطنية من بينهم رئيس «الحزب السوري القومي الاجتماعي» إنعام رعد، وأحد قيادات «الجبهة الشعبية الفلسطينية» بسام أبو شريف. من خلال المقتطعات المختارة بحس من الحنكة والسخرية، يدخلنا المخرج في متاهة الآراء المتجاذبة والمتشابكة التي ازدادت التباساً كلما غصنا فيها، إذ ليس هناك من رؤية واضحة ملموسة، بل تظهر الحرب الأهلية كنتيجة لذلك الاختلاف الجذري في تصورها بين الطوائف والأحزاب المختلفة.
هي كما يصفها الجناحان حرب تحرير مع الاختلاف بالطبع على طبيعة العدو الداخلي أو الخارجي حيث لا اتفاق أو لا اعتراف حتى الآن على تصنيفها كحرب أهلية. وخارج إطار التحليل السياسي، يصور الفيلم أيضاً شهادات حية مع المهجرين أو الناجين من مجازر تل الزعتر والدامور. عبر الشخصيات المختلفة التي يقابلها، يرسم لنا المخرج رؤية كاريكاتورية سوداء عن مستقبل لبنان الذي يبدو سوريالياً كأجوبة الطفل الصغير الذي يسأله ما إذا كان يذهب إلى المدرسة، فيجيب تلقائياً بنعم في البداية، ثم يتذكر أن المدرسة تعرضت للقصف، لذا قرر أن يصبح مقاتلاً. نرى أيضاً مشهداً مضحكاً لإحدى النساء اللواتي يستنكرن الحديث عن الحرب، قبل أن تستطرد أن كل شيء رائع وعلى ما يرام عندها، مؤكدة أن النزهات والسهرات لا تزال في أوجها. يهيم المخرج مع كاميرته في شوارع بيروت عبر لغة سينمائية شاعرية تنقل للمشاهد روح تلك الحقبة وبيروت التي لم يتسن له أن يعرفها فيما يشاهد بحزن بداية تدميرها. ما هو ملفت أيضاً في الوثائقي بنيته السردية غير التقليدية التي تتماهى مع فوضى الحالة التي يصورها. إنها وثيقة نابضة بالحياة تلك التي يقدمها جورج شمشوم. تحمل قدراً من النوستالجيا والأسى على بيروت التي تغرق في حلم كابوسي ثقيل لا يبدو، من وجهة نظر المخرج، أنه سينتهي قريباً.
على أمل أن يكون الوقت قد حان لبيروت وأخيراً أن تستيقظ من سباتها الطويل.

عرض «لبنان... لماذا؟» لجورج شمشوم: السادسة والنصف من مساء اليوم ــ «مترو المدينة» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 76/309363