مع المشاورات الجارية لتأليف الحكومة، وسط تأكيدات اطراف اساسيين قرب صدور مراسيمها، بدأت تتضح صورة الحصص التي تقاسمتها القوى السياسية، وحجم مشاركتها الفعلية، ولا سيما تلك التي ساهمت في وصول رئيس الجمهورية ميشال عون وتكليف رئيس الحكومة سعد الحريري تأليف الحكومة.

هل يمكن القول، وفق الصيغة المتداولة للتشكيلة، من ربح فيها ومن خسر؟ وهل يمكن للثنائية المسيحية، التي عادت بقوة وفاعلية الى الحكومة، ان تقول انها حققت ما تريده في اولى حكومات العهد من توازن مسيحي ومن شراكة فعلية في الحكم؟ ام ان الطريق لا تزال طويلة لتحقيق ذلك، وان ما حصل في توزع الحصص وفي اختيار اسماء معينة للتوزير، والتركيز على انها حكومة «انتقالية» قبل الانتخابات، اعطاها طابعا شخصيا، بحسب كل فريق، لا البعد السياسي المفترض لحكومة جامعة ووطنية. لا شك ان الكلام منذ اسابيع قبل الانتخاب وبعده، حول الوزارات السيادية، استنفد نفسه.

لكنّ ثمة جانباً اساسياً اغفله بعض المفاوضين، حين صوّبوا الانظار الى وزارة الدفاع، واحتمال اعطائها للقوات اللبنانية، ووزارة المال وتمسك الرئيس نبيه بري بها، لضمان الحصول على التوقيع الشيعي، عملا بما جرى في مناقشات الطائف، فصرف النظر عن الوزارات الاخرى ذات الاهمية.
في النقاش الجاري، لم يقارب التيار الوطني او القوات، او حتى رئيس الجمهورية، موضوع وزارة الداخلية، باعتبار انها حسمت سلفا لتيار المستقبل والوزير نهاد المشنوق المؤيد بقوة والمشارك في صياغة وصول عون والحريري معاً. على هذا الاساس، ابقى رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل وزارة الخارجية في عهدته، لاعتبارات تراوح بين الاستفاقة على احتضان الانتشار، الذي بات يمثّل اولوية لدى باسيل لاعتبارات عدة!، وبين التمسك بوزارة، شن باسيل نفسه حربا للحصول عليها في حكومة الرئيس تمام سلام بعدما كانت تعهد منذ عام 2005 الى الطائفة الشيعية، لكن، في مقابل تمسك المستقبل بوزارة الداخلية، بدا منذ اللحظة الاولى ان خيار الخارجية وحده المتاح امام التيار، بعدما قرر باسيل المشاركة في الحكومة، كحصة مارونية في وزارة سيادية، من دون البحث في احتمال الحصول على الداخلية.
تمثّل الداخلية، وفق مصدر سياسي مطلع، احدى اهم الوزارات على الاطلاق في لبنان. لا تشبه بشيء وزارة الدفاع، التي لا يملك وزير الدفاع فيها اي صلاحيات ــــ لا في العرف ولا في الممارسة ــــ تخوله ان يكون سيد وزارته، ما دام قائد الجيش هو اولا وآخرا صاحب الكلمة الفصل. الا اذا كان لدى اي شخص نية التدخل من خارج الاطار القانوني في عمل القيادة العسكرية.
وزارة الداخلية مركز قرار متشعب على الاجهزة الامنية التي تتبع لها، الامن العام والامن الداخلي وجهاز امن المطار ومكافحة المخدرات والدفاع المدني، مع كل ما يتفرع من هذه الاجهزة من تفاصيل امنية وادارية كثيرة. فضلا عن مديرية الاحوال الشخصية، والشؤون السياسية، واللاجئين، وادارة السير. كما أنها المسؤولة عن البلديات، وهي التي ستشرف على الانتخابات النيابية التي يفترض اجراؤها في الربيع المقبل. وكل واحد من هذه العناوين يمثّل وحده مؤسسة قائمة بذاتها.
كل ذلك لم يغر القوى المسيحية للمطالبة بهذه الوزارة الاساسية والسيادية على السواء، فأبقيت في يد المستقبل، مكافأة لارتضائه وصول عون والحريري معا الى بعبدا والسرايا الحكومية. علما ان المستقبل يرفض التخلي عنها، فيما لم يكتف وفق التشكيلة الاولية المعلنة بالحصول على الداخلية بل على الاتصالات ايضا، وعلى وزير ماروني، وعلى مقاعد وزارية لمرشحين شماليين من اجل الإعداد للانتخابات النيابية.
في المقابل، ورغم استمرار بري في عرقلة تأليف الحكومة، الا انه حتى الان حظي بما يطالب به وتحديدا في ما خص وزارة المال، والوزير علي حسن خليل تحديدا، رغم ممانعة عونية طرحت ضد توزيره ولا سيما على خلفية قضية مشاعات جبل لبنان القديم. وحصل النائب وليد جنبلاط على حصته كما طالب، واستبدل وزارة الشؤون الاجتماعية بالعدل واعطاها الى احد اكثر المعارضين والمتشددين ضد عون وحزب الله اي النائب مروان حماده.


في النقاش الجاري لم يقارب التيار او القوات او رئيس الجمهورية موضوع وزارة الداخلية


في المقابل على ماذا حصل المسيحيون؟ اضاف التيار الوطني الحر الى حصته المتداخلة مع حصة رئيس الجمهورية، الخارجية والدفاع والموارد المائية والكهربائية، التي باتت تلقب بوزارة النفط، مع ما يمكن اعتباره مبدئيا انه تحصين عددي لحصة الثنائية المسيحية، ولدور التيار في الحكومة، وموقعه السياسي في التفاهم مع القوات. مع ان اختيار باسيل لاسماء وزراء من المقربين منه لم يجد كثيرا من الصدى الايجابي داخل التيار.
اما القوات اللبنانية، فرغم ان اعتراضات واجهت تكبير حصتها في الحكومة عدديا، الا انها ايضا ووجهت بانتقادات اوساط قريبة منها، اولا لانها رفعت سقف مطالبتها بالحقيبة السيادية ومن ثم تخلت عنها، ورفعت لاحقا سقف مطالبها بوزارات اساسية، فلم تحصل في صورة جازمة الا على الشؤون الاجتماعية والاعلام، والاولى وزارة مفلسة باعتراف من هم على دراية فيها، والثانية معروف وضعها. اما الاشغال التي يتمسك بها حزب القوات لاسباب غير مقنعة، فتثير التباسات لان ثقل الاشغال الاساسي هو في ادراج مجلس الانماء والاعمار.
لكن للقوات وجهة نظر اخرى، فهي دخلت للمرة الاولى الى الحكومة بحصة سياسية وازنة واساسية، ورفعت تمثيلها قياسا الى الحكومات السابقة. وهي تخالف كل من يقول ان وزارة الشؤون مفلسة، وان الاشغال محصورة بمجلس الانماء والاعمار. فكلتا الوزارتين مهمة جدا، وتحديدا قبل الانتخابات النيابية. اما الاعلام، فوزارة سياسية بامتياز، اضافة الى ان القوات حصلت على نيابة رئاسة مجلس الوزراء، وهذا موقع سياسي. والاهم ان القوات دخلت سياسيا الى الحكومة، وسويا مع فريق سياسي، تسانده ويساندها، في مطالبهما المسيحية، فاما ان يبقيا معا او يتركا معا.