«العالم هو كما هو؛ إن الرجال الذين هم لا شيء ويسمحون لأنفسهم بأن يصبحوا لا شيء، ليس لهم مكان في هذا العالم»

ف. س. نايبول

في الطريق الى مدينة كاندي، آخر العواصم الإمبراطورية لجمهورية سيريلانكا، كان من اللافت، بالإضافة الى أمور كثيرة طبعاً، اقتصار الحافلات العمومية على نموذجين: الأول لشركة تاتا (Tata) الهندية، والثاني لتجميع محلي لباصات هندية المنشأ أيضاً.

للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر طبيعياً، فسيريلانكا بلد متدنّي الدخل نسبياً، إذ يبلغ الناتج المحلي فيه للفرد حوالى 3800 دولار أميركي، وبالتالي يبدو منطقياً أن تستورد الباصات الرخيصة نسبياً أو تجمعها محلياً. لكن الأمر يدل أيضاً على أن بلداً مثل الهند، الذي تشير مدنه المكتظة بالفقراء الى مدى حجم المعضلات الاقتصادية التي تواجهه والتي لا يمكن حلها إلا بعد مرور أجيال عديدة، يستطيع أن يخرق الأسواق العالمية في صناعة السيارات وغيرها (وهنا لا أتكلم على الصين التي أصبحت في ناد اقتصادي مختلف). بالفعل، شركة تاتا أصبحت الآن شركة متعددة الجنسيات وهي لا تنتج فقط للسوق المحلية أو للدول الفقيرة، بل أصبح لها حصة لا بأس بها في الدول الأخرى وأصبحت أيضاً مع أخواتها في مجموعة تاتا تستثمر عالمياً وتشتري الأصول الصناعية، مثل ما حدث بشرائها لشركة جاغوار للسيارات البريطانية عام 2008.
عندما تفكر في كل هذا، يتبادر السؤال: أية شركة عربية استطاعت أن تحاكي في الصناعة أو التقدم التكنولوجي أو التصدير، ليس الشركات المتقدمة في كوريا الجنوبية أو تايوان أو الصين، بل فقط النموذج المتواضع نسبياً لشركة تاتا الهندية؟ الجواب عن هذا السؤال يأتي سريعاً بالنفي من دون أي بحث أو تفتيش أو سؤال.


بقي النفط هو الخيط الذي يربط كل هذه الدول ويغذي محركات «عدم التنمية والتخلف»
في الإطار الأكبر والأعم، والأصعب من كل ذلك بالنسبة إلى الشعوب العربية من المحيط الى الخليج، كما يحلو للبعض ترسيمهم، إن قيمة إنتاج هذه الشركة الواحدة (100 مليار دولار سنوياً) يبلغ حوالى ثلثي كل الصادرات الصناعية العربية ( نعم كل) التي تبلغ حوالى 370 دولاراً للفرد؛ وإذا أخذنا من هذه الصادرات الصناعية تلك ذات المحتوى التكنولوجي المتوسط والعالي، فنرى أن تاتا تنتج أكثر بثلاث مرات منها. من هذه المقارنة البسيطة، نرى أن الدول العربية المحتوية على حوالى 400 مليون عربي، بالإضافة الى الثروات الطبيعية، بعد اتباعها لعقود ما يمكن تسميته مرحلة التنمية العربية والصراع مع إسرائيل بعد 1948، لم تستطع أن تقدم العالم العربي الى الأمام. وبخصوص إسرائيل، على الرغم من إلقاء الكثيرين اللوم على هذا الصراع في تخلف الدول العربية، إلا أن هذا الصراع كان يجب أن يكون حافزاً للتقدم الصناعي والتكنولوجي، وهذا ما فعلته إسرائيل نفسها، التي وصلت صادراتها الصناعية الى حوالى 60 مليار دولار أو 7500 دولار للفرد أو 20 مرة أكثر من حصة الفرد العربي، وتستحوذ السلع المتقدمة تكنولوجياً على حصة كبيرة منها.
كما أنني، في الطريق، تذكرت الاقتصادي والت روستو، الذي قضى آخر أيامه بروفسوراً في جامعة تكساس في أوستن حيث كنت، وعلى الرغم من كون مكتبي مقابل مكتبه، لم أنضمّ الى أي من صفوفه بسبب "حرم" ماركسي غير معلن عليه بسبب مسؤولياته السياسية خلال حرب فيتنام . تذكرت روستو لأنه أشيع أن جمال عبد الناصر كان متحمساً لأفكاره، وأن الخطة الأولى للجمهورية العربية المتحدة في 1959/1960 تأثرت بنظرياته.
لقد كان روستو هو من نظّر في خمسينيات القرن الماضي وستينياته الى مقدرة الدول النامية على التطور وحتمية مرورها بخمس مراحل من التخلف نحو الالتحاق بالدول المتقدمة، ولقد كانت نظريته حتمية الى حد ما وتعتمد على اتباع الدول بعض المعايير الكمية في الاستثمار وغيره لتنتقل من طور التخلف الى طور اللحاق بالدول الصناعية المتقدمة، وسمّى روستو كتابه الذي أصدره عام 1960 "مراحل النمو الاقتصادي: بيان غير شيوعي". لم يكن الكتاب رداً فلسفياً أو اقتصادياً على "البيان الشيوعي" لماركس وإنجلز، بل كتاباً سياسياً في خضم الحرب الباردة، حاول فيه روستو القول للدول النامية آنذاك إنها تستطيع أن تتطور من دون اتباع النماذج الاشتراكية، التي كانت أفكارها وإنجازاتها تمتد كالنار في الهشيم والتي للصدفة التاريخية عندما امتدت الى فيتنام، تولى والت روستو منصب مستشار الأمن القومي للرئيس ليندون جونسون بين 1966 و1969 عند استعار الحرب هناك.
في المحصلة، فشلت الدول العربية في اتباع الاشتراكية الى التنمية والتطور كما فعل الاتحاد السوفياتي، وفشلت في اتباع نظريات روستو وفي تقليد الدول الصاعدة اقتصادياً كتايوان وكوريا الجنوبية؛ أي أنها فشلت في كل شيء. وعندما انقلبت الدول الجمهورية العربية على بعض إنجازات مرحلة "التنمية العربية" وتحولت سلطاتها السياسية الى مزيج من الديكتاتوريات المتحالفة مع الرأسمال الصاعد، انتهت هذه الدول الى الشلل السياسي والحروب الأهلية كالعراق وسوريا وليبيا واليمن والجزائر ومصر؛ وكان في المقلب الآخر أن اشتد عصب "النظام القديم" من الأردن الى المغرب، الى الخليج العربي. وفي خضم هذا كله، بقي النفط هو الخيط الذي يربط كل هذه الدول وهو الذي يغذي محركات "عدم التنمية والتخلف"، فبعد تجارب الخمسينيات والستينيات لم يبقَ شيء وتحول الجميع الى الاستهلاك مدعوماً بحركة البترو دولار عبر تصدير واستيراد العمالة وتصدير واستيراد رؤوس الأموال والمساعدات. ولربما أهم ما استطاع العرب إنجازه هو تحويل الثروة الطبيعية الى ثروة عقارية وثروة مالية تبحث عن الربح في أنحاء العالم، من دون أن يكون لديهما ارتباط بالتنمية.
قال الفيزيائي كارلو روفيلي في كتابه "سبعة دروس في الفيزياء" في معرض تقديمه لألبرت آينشتاين ونظرياته، "لا يمكنك تحقيق أي شيء من دون إضاعة الوقت". وقال أيضاً إن "النبوغ يتردد". يبدو أن العالم العربي لا يتبع الملاحظة الأولى، فهو أضاع دهراً من الوقت، لكنه بالتأكيد ليس على طريق تحقيق أي شيء؛ ويؤكد على الثانية إذ إنه يتجه، بدون تردد، الى تدمير ذاته بذاته.