في الرابع من كانون الثاني 2017، أطلق مجلس الوزراء الصفارة لتحوّل لبنان إلى دولة قادرة على استخراج النفط والغاز، وبات بمقدور الدولة اللبنانية فتح الباب أمام الشركات الراغبة في التنقيب. خروج النفط والغاز من باطن البحر بحاجة إلى سنوات. لكن مجرّد إقرار مرسومين، أمس، أدخلا لبنان، نظرياً، «النادي النفطي».


إنه يوم تاريخي، بكل ما للكلمة من معنى. فإلى الثروة النفطية، أطاح مجلس الوزراء الموظف «التاريخي» الذي قبض على «ثروة» قطاع الاتصالات، عبد المنعم يوسف. وهو القطاع الذي تعاملت معه السلطة طوال العقود الثلاثة الماضية كما لو أنه «نفط لبنان» الذي لا ينضب. وعيّنت الحريرية السياسية يوسف «ناطورها» عليه، قبل أن تُسقِط بنفسها ورقته، في لحظة الاتفاق الرئاسي مع التيار الوطني الحر. وفي الملفين، ظهرت مفاعيل الاتفاق الذي أوصل العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا، وخاصة لناحية «تسليم» الرئيس سعد الحريري لعون وتياره السياسي بمفاتيح الحكم، بعد سنوات من تعطيل كل المشاريع التي حاول تكتل التغيير والإصلاح تنفيذها.
القراران التاريخيان خطفا الأضواء عن بند ــ فضيحة كان مدرجاً على جدول أعمال مجلس الوزراء. فالرئيس سعد الحريري سطّر «إنجازه الاول»، بالطلب إلى مجلس الوزراء الموافقة على نقل مبلغ 6.5 مليارات ليرة من احتياطي الموازنة إلى موازنة رئاسة مجلس الوزراء. الفضيحة ليست في أن الجزء الأكبر من هذه الأموال سيغطي بنود العلاقات العامة والمستشارين والأعياد والتمثيل وما إلى ذلك من بنود «لا قيمة لها». مشكلة الطلب تكمن في أنه يتضمّن إدراج مليار و500 مليون ليرة لبنانية تحت بند «نفقات سرية»! وبند «النفقات السرية» في الموازنة يُمنَح عادة للأجهزة الأمنية، لتغطي مصاريف العمليات السرية، كالتجسّس وتمويل شبكات المخبرين وما إلى ذلك من أمور لا يُراد لها أن تكون علنية وألا تخضع للرقابة. لكن أن تطلب رئاسة الحكومة حق صرف «نفقات سرية»، فذلك يعني أنها قررت دخول العالم السري للأعمال الأمنية، أو أن الحريري يريد دفع المال «كاش»، لأشخاص أو شركات، بسهولة وسرية تامة، ومن دون الحاجة الى استئذان أحد أو التصريح بوجهة استعمال المبلغ المالي لأي جهة رقابية، كديوان المحاسبة على سبيل المثال لا الحصر. صحيح أن المبلغ المطلوب «زهيد» إذا ما قيس بحجم الإنفاق العام، إلا أن مجرّد إقراراه يسمح بتثبيت سابقة، تتيح مستقبلاً تضخيم المبلغ، وتعميمه على مؤسسات رسمية أخرى.


تعيين الأيوبي أثار
حفيظة وزراء وسيرته الذاتية وُزعت بعد تعيينه

وتجدر الإشارة إلى أن قانون موازنة عام 2005 (آخر موازنة صادرة بقانون عن مجلس النواب) لا يتضمّن بند «نفقات سرية» لرئاسة مجلس الوزراء. واللافت أن غالبية الوزراء لم يعترضوا على البند. فبعضهم يظن أن لرئاسة مجلس الوزراء الحق في إنفاق المال العام سراً، فيما البعض الآخر لم يكلّف نفسه الاطلاع على تفاصيل جدول الأعمال. والمثير في الأمر أن البند أقرّ من دون نقاش، لتُمنح رئاسة الحكومة المبلغ الإجمالي الذي طلبته. فهل تم تعديل الطلب لجهة إزالة خانة «النفقات السرية» وتوزيع مبلغ المليار و500 مليون ليرة على الخانات الأخرى؟ أم أن مجلس الوزراء شرّع مخالفة الدستور والقانون في هذا القرار؟ في الحالتين، تبدو محاولة الرئيس الحريري تشريع الإنفاق بلا رقابة بداية غير موفقة لولايته.
في ما عدا ذلك، شهدت جلسة مجلس الوزراء أمس إقرار مرسومَين من مشاريع مراسيم تنظيم قطاع النفط، وإقالة المدير العام لهيئة أوجيرو وتعيين عماد كريدية خلفاً له، فيما تم تعيين باسل الأيوبي مديراً عاماً للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات، وهو الموقع الذي كان يشغله يوسف أيضاً. وإضافة إلى ذلك، أُقِرّ مرسوم بدلات أتعاب اللجنة المعنية باستعادة الجنسية.
في موضوع النفط، أقرّ مرسوم تقسيم المياه البحرية الخاضعة للولاية القضائية للدولة اللبنانية إلى 10 «بلوكات»، ومرسوم دفتر الشروط الخاص بدورات التراخيص في المياه البحرية ونموذج اتفاقية الاستكشاف والإنتاج. وبعد نقاش مستفيض، أحيل المشروع الخاص بالأحكام الضريبية المتعلقة بالأنشطة البترولية ومشروع القانون المتعلق بالموارد البترولية في الاراضي اللبنانية إلى لجنتين وزاريتين لدرسهما. إقرار المرسومين سبقته مداخلة مطوّلة من وزير المال علي حسن خليل، قدّم فيها 26 ملاحظة على مشاريع المراسيم، تتضمّن قضايا مالية، وأخرى تتصل بصلاحيات وزير الطاقة. وطالب خليل بفتح البلوكات الثلاثة الواقعة على الحدود الجنوبية أمام الشركات (وهو ما كان قد جرى الاتفاق عليه بين الرئيس نبيه بري وخليل من جهة، والوزير جبران باسيل من جهة أخرى، قبل أشهر). وبما أن المرسوم يفرض على وزير الطاقة فتح خمسة «بلوكات» لاستدراج عروض شركات التنقيب، جرى تضمين محضر الجلسة عبارة تتضمّن تعهّد الوزير سيزار بوخليل بفتح البلوكات الحدودية الجنوبية، وبلوك في وسط المنطقة الاقتصادية اللبنانية، وبلوك خامس عند الحدود الشمالية، أمام استدراج عروض الشركات. وفيما التزم وزراء حزب القوات اللبنانية بالصمت حيال طلب خليل، سأل وزير الدولة لشؤون التخطيط ميشال فرعون عن مغزى اختيار البلوكات الجنوبية، الأمر الذي استدعى شرحاً من وزير المال حول صراع لبنان مع إسرائيل الذي يتضمن في جانب منه صراعا على النفط، ثروة لبنان التي يسرقها العدو وقد بدأ فعليا بعملية الحفر. فالسبب الرئيسي وراء ادراج البلوكات الثلاثة ضمن المناقصة سياسي يرتبط بالصراع القائم مع هذا الكيان، دائما وفقا للمطالعة التي قدمها خليل، والهدف منه تثبيت حق لبنان في الاستفادة من هذه البلوكات. وقد سجّل خليل في اطار مداخلته اعتراضا حول منح وزير الطاقة الحقّ في التحكم بانتاج النفط، خفضه أو السماح لشركات في ظروف خاصة بتأجيل الانتاج لمدة سنة على سبيل المثال. وطلب نقل هذه الصلاحيات من يد الوزير الى مجلس الوزراء مجتمعا.
كذلك طالب وزير التربية مروان حمادة بإنشاء صندوق سيادي لعائدات استخراج النفط والغاز، وبإنشاء شركة وطنية لإدارة القطاع. وفيما اجرى الرئيس الحريري اتصالاً بالنائب وليد جنبلاط متعهداً بإنشاء الصندوق السيادي بقانون في مجلس النواب، رد الوزير باسيل مؤكداً أن المراسيم لا تعطي وزير الطاقة أي صلاحيات استثنائية، لافتاً الى وجود هيئة الى جانبه تمثل القوى السياسية المختلفة، كذلك فإن كل قرار تنبغي العودة فيه الى مجلس الوزراء، مشيراً الى ان القانون مؤلف من «طبقات عدة الى درجة هشّلت الشركات الراغبة في الاستثمار». ورد على حمادة بأنه «لا يعقل ان تعودوا لطرح تعديلات بعدما أصدر مجلس الوزراء 25 مرسوماً في هذا الملف، لأن الحكم استمرار ولا يمكن في كل مرة أن نعود الى النقطة الصفر». ولفت باسيل إلى ان لبنان لا يملك خبرة إدارة قطاع النفط، وبالتالي، لا طائل من إنشاء شركة الآن لإدارة القطاع، بل يمكن إنشاؤها بعد اكتساب اللبنانيين للخبرة اللازمة لذلك.
وأنهى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ساعتين من الجدل حول إقرار مراسيم النفط بالحسم: «لا ضرورة للنقاش أكثر. إما تقرّ بالإجماع أو نطرح الأمر للتصويت»؛ فأقر مجلس الوزراء المرسومين، مع تحفظ وزيري الحزب التقدمي الاشتراكي مروان حمادة وأيمن شقير.
وعبّرت مصادر التيار الوطني الحر عن «الارتياح العميق» الى «إيجابية» الحريري في ملف النفط، «وهو ما بادلناه بايجابية تسهيل تعيين الاسمين اللذين طرحهما خلفاً ليوسف». يُذكر ان تعيين الأيوبي (خلفاً ليوسف في المديرية العامة للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات) أثار حفيظة بعض الوزراء لا سيما أنه تمّ من خارج جدول الأعمال وبشكل مخالف لآلية التعيينات التي كان جرى الاتفاق عليها في الحكومة السابقة. ولم يطّلع الوزراء على السيرة الذاتية للأيوبي التي طلب الحريري من الأمين العام لمجلس الوزراء فؤاد فليفل توزيعها على الوزراء بعد صدور قرار التعيين. وفي هذا الإطار، اكّدت مصادر لجنة الإعلام والاتصالات النيابية أن إقالة يوسف لا تعني إقفال ملفي الاتصالات والانترنت غير الشرعيين اللذين تابعتهما اللجنة العام الماضي، بل الاستمرار في «نبش ملفات» قطاع الاتصالات والإلحاح على وضع القضاء يده على المخالفات والتجاوزات.
من جهة أخرى، أرجا مجلس الوزراء البحث في البند المتعلق بمناقصة الميكانيك، واتفق على تشكيل لجنة وزارية لدرس المناقصة. وأقر مشروع مرسوم يرمي الى تنظيم المديرية العامة للدفاع المدني وتوسيع الملاك ليشمل 2500 عنصر. كما تمت الموافقة على تخصيص 20 مليار ليرة من احتياطي الموازنة لوزارة الصحة لتغطية تكلفة نفقات الادوية التي سلمت من خارج الموازنة في عام 2016. وهذا المبلغ هو من ضمن مبلغ أكبر ذكر نائب رئيس الحكومة وزير الصحة العامة غسان حاصباني أن وزير الصحة السابق وائل أبو فاعور أمر بإنفاقه من خارج موازنة وزارة الصحة.
(الأخبار)