مع انتهاء عطلة الأعياد، تدخل البلاد في الأشهر الستة المتبقية من ولاية المجلس النيابي المُمدد لنفسه مرتين. ومن المُفترض أن يكون من مهمات الحكومة الجديدة بدء الإجراءات التحضيرية للإنتخابات النيابية عبر إصدار مرسوم تعيين هيئة الإشراف على الإنتخابات وإلا فسيكون الطعن في نتيجتها، إن حصلت، مباحاً.


رغم ذلك، تتصرف القوى السياسية وكأنها تملك ترف الوقت. فتمضي الأيام من دون ما يبشّر بقرب التوصل إلى إقرار قانون جديد. وتدلّ كلّ المؤشرات، حتى الساعة، على أنّ قانون الـ2008 (الستين) «دايم دايم». ويتجه وزير الداخلية نهاد المشنوق، قبل نهاية الشهر الجاري، إلى الطلب من مجلس الوزراء تأمين الموازنة اللازمة لتمويل العملية الانتخابية، إضافة إلى اقتراح تعيين أعضاء الهيئة التي ينص عليها القانون النافذ.
بيد أنّ مصادر رفيعة في تيار المستقبل أكدّت لـ»الأخبار» أنّ «الإتفاق على قانون جديد للانتخابات لم يعد بعيداً». يناقض ذلك ما نقله النواب يوم الأربعاء عن رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي حذر من «استمرار المماطلة في إنجاز قانون الإنتخابات». إضافة إلى ما صرّح به نائب حزب الله علي فياض عقب لقاء الأربعاء النيابي بإنه «لا نزال في قلب المعمعة ولم يتبلور أي جديد، ونحن كحزب الله نواصل جهودنا للتوصل الى قانون». مصادر «المستقبل» ترفض كلام بري وفياض. وبرأيها، ثمة «عمل جدي لإقرار قانون جديد في مهلة زمنية قريبة. والمهم بالنسبة إلينا هو الإتفاق على وحدة المعايير، خصوصاً في ما يتعلّق بالمقاعد التي سيتم انتخابها على أساس النسبية في أي نظام مختلط، والإلتزام بالتقسيم الإداري الحالي للمحافظات الثماني، أي عدم خفض دوائر النسبية إلى خمس». حتى أنّ البحث «يأخذ في الاعتبار اقتراح القانون الذي عرضه تكتل التغيير والإصلاح. والذي يقوم على مبدأ الصوت المتعدّد» (one person - multiple vote). تضيف المصادر المستقبلية: «في بعض الدوائر سنربح مقاعد وفي دوائر أخرى سنخسر. ونحن مستعدون للإحتمالين». وتشير مصادر قريبة من الرئيس سعد الحريري إلى أن قرار قيادة تيار المستقبل يمكن اختصاره بأن القانون الوحيد المقبول غير «الستين» هو المختلط الذي عرضه الرئيس نبيه بري، مع إدخال تعديلات عليه وفق «وحدة معايير توزيع المقاعد بين النسبي والأكثري».
هذا التفاؤل الذي يسيطر على حديث المستقبليين، لا يجد أساساً له لدى بقية القوى المطلعة على تفاصيل اللقاءات الثنائية التي تُعقد لهذه الغاية. يروي المطلعون أنّه بعد انتهاء جولة نواب «التغيير والإصلاح» على الكتل النيابية، «عرض برّي أن يتولى هو التفاوض مع المستقبل وحزب الله، وأن يتفاوض التيار الوطني الحر والقوات، من دون أن يعني ذلك توقف المفاوضات الثنائية بين التيار والمستقبل». وقد عُقد أمس لقاء بين وزير الخارجية جبران باسيل ومدير مكتب الرئيس سعد الحريري، نادر الحريري، للبحث في القانون الإنتخابات، علماً بأن اللجنة التي انبثقت عن لجنة الحوار بين حزب الله وتيار المستقبل تضمّ النائبين علي حسن خليل وعلي فياض ونادر الحريري، وخبراء انتخابيين.


مصادر المستقبل»: القانون الوحيد المقبول غير «الستين» هو المختلط الذي اقترحه بري


وتقول المصادر إنّ المستقبل «طلب إضافة تعديلات على مشروع القانون المختلط الذي تقدّم به بري. ورغم أنّ النقاش لم يتوقف بين الطرفين إلا أنّه لم يرشح أي إيجابية عن اللجنة حتى الآن». أما من جهة القوات والتيار العوني، «فتتمسك قيادة معراب بطرحها للمختلط وهي ترفض السير بأي قانون يُضر بمصالح الحريري». حالياً، على الطاولة أمام المفاوضين، بحسب المصادر، ثلاثة اقتراحات: المختلط الذي قدّمه بري (64 نائباً على الأكثري و64 نائباً على النسبية)؛ وقانون الصوت المتعدد الذي قدّمه التيار الوطني الحر (one person - multiple vote)؛ وقانون التأهيل على أساس الطائفة الذي قدّمه بري (تجرى الانتخابات وفقاً له على مرحلتين: في الاولى، يختار المسلمون مرشحيهم، والمسيحيون مرشحيهم، وفقاً للنظام الأكثري في الأقضية. ويتأهّل إلى المرحلة الثانية عدد من المرشحين عن كل مقعد، ليخوضوا الانتخابات في المحافظات، وفق النظام النسبي).
على صعيد آخر، عُقِد في وزارة الخارجية امس اجتماع بين الوزيرين خليل وباسيل، حضره المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، في إطار مسعى من الأخير لعقد مصالحة بين التيار الوطني الحر وحركة أمل. وبحسب مصادر المجتمعين، فإن هذا اللقاء، وهو الأول بين خليل وباسيل منذ ما قبل الانتخابات الرئاسية، يُعد «محطة أساسية على طريق تطوير العلاقة بين حركة أمل والتيار الوطني الحر». وأضافت أن «المشتركت بين الطرفين كثيرة، خصوصاً لجهة النظرة الى قانون الانتخاب. وبالتالي، يمكن الطرفين البناء على هذه المشتركات لتمتين العلاقة بينهما، ولتشكيل قوة دفع في اتجاه إقرار قانون جديد تتوافق عليه كل الأطراف».
وكانت العلاقة بين التيار وأمل تضررت بفعل دعم الأخيرة ترشيح النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. ثم أتت مشاورات تأليف الحكومة، وخاصة الصراع على حصة تيار المردة، لتعمّق الشرخ، رغم الود الذي يظهره الرئيسان ميشال عون ونبيه بري أحدهما تجاه الآخر. ويحمّل كل من الطرفين الآخر مسؤولية تدهور العلاقة، وتحوّلها من تحالف سياسي وحكومي (ونيابي في عدد من الدوائر)، إلى علاقة خصومة جعلت الرئيس بري يُعلن انه سيكون في صف المعارضة في العهد الجديد، قبل عودته إلى قيادة فريق 8 آذار في مفاوضات تأليف الحكومة. وسبق لحزب الله أن حاول اكثر من مرة ترطيب العلاقة بين حليفيه، وكان ينجح في الحصول منهما على تعهّدات بخفض التوتر إعلامياً، لكن عدداً من القضايا والملفات (كملف الكهرباء على سبيل المثال لا الحصر) بقي كفتيل مشتعل لأزمة دائمة تخفت بين الحين والآخر.
(الأخبار)