الخلاف بين حزب الكتائب والقوات اللبنانية غيمة كانونية غير عابرة. لم تعد تجدي نفعاً محاولات تجميل الواقع المُرّ بين الحزبين، فالعلاقة وصلت إلى حدّ يصعب معه وصل ما انقطع.


طيلة سنوات ظلّ الطرفان ينفيان الأخبار عن خلافاتٍ بينهما، واضعين إياها في خانة «التباين في وجهات النظر» ومتهمين الإعلام بتأجيج الفتن، إلى أن بلغت الأمور ذروتها يوم الجمعة الماضي، بعد أن انتقل الهجوم من مستوى القاعدة إلى موقعي الحزبين الإلكترونيين، ثم نَشر رئيس جهاز الإعلام والتواصل في القوات شارل جبور على «فايسبوك» المنشور الآتي: «راحو عا إسرائيل وحطوها بضهر غيرن، قتلو طوني فرنجية وحطوها بضهر غيرن، بيتحملو مسؤولية الدم المسيحي ــ المسيحي وحطوها بضهر غيرن، عملو صبرا وشاتيلا وحطوها بضهر غيرن، بيتحملو مسؤولية مباشرة عن حرب الجبل، استجدوا التمديد من حافظ الأسد ولما فشلوا تأملوا يرجعوا عا الكرسي عن طريق الاقتتال المسيحي ــ المسيحي، مزايدات بالشكل وتنازلات تحت الطاولة، تنظير بالفدرالية حسب الحاجة، مصلحتهم الشخصية فوق كل اعتبار، لا مبادئ ولا رؤية ولا وطنية، عندن عقدي وحدي بالحياة (...) عرفتوا مين؟». وكأنّ القوات التي ولدت من رحم هذه الخيارات، وكان قائدها بشير الجميل أهم المبشرين بالعلاقة مع العدو الإسرائيلي، تتنصّل من تاريخها وتعترف بأنها محطات خاطئة، لكنها لا تعتذر عنها، بل تكتفي بتحميل مسؤوليتها إلى الكتائب.
تسلسل الأحداث، بالنسبة إلى الكتائب، لا يبدأ مثلاً من يوم ردّ النائب سامي الجميل على سؤال صحافي متّهماً القوات بأنها تسعى الى إقصاء حزبه وعزله في ما خصّ مفاوضات تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري. يلقي مسؤول كتائبي بالمسؤولية على القوات ووزيرها ملحم رياشي «الذي لم يدعُ إذاعة صوت لبنان إلى حضور اللقاء التشاوري مع الإعلاميين في وزارة الإعلام»، علماً بأن دعوة وجّهت إلى الإعلامي في الإذاعة جورج يزبك، ولكنّ الكتائب يرى أنّ ذلك لم يكن كافياً «في وقت دُعي مسؤولون إداريون من مؤسسات أخرى». اعتذار رياشي عن «الخطأ غير المقصود» كان كافياً بالنسبة إلى الكتائبيين، «قبل أن نتفاجأ بمقال هجومي ضدنا على موقعهم الإلكتروني من مصدر مجهول تحت عنوان: ما مردّ توتر القيادة الكتائبية؟». بعد 24 ساعة، ردّ موقع الكتائب الإلكتروني عبر مقال رأى فيه أن القيادة القواتية تتخبّط نتيجة «تموضعها الجديد إلى جانب فريق 8 آذار... رحم الله من قال اللي بيطلع من تيابو بيبرد». ثم فوجئ الكتائب «بتبنّي القوات لتقرير نُشر في «الأخبار» تحت عنوان: المعجزة وحدها ستبقي على كتلة نواب الكتائب». أما آخر المحطات فهي «هجوم مسؤولهم الإعلامي علينا. لا يُمكن أن يحصل ذلك من دون وجود قرار بذلك».


يبدو من تصرفات معراب الحالية وكأنه لم يبقَ لها عدوّ سياسيّ سوى الكتائب



القوات «تُدافع عن نفسها»، تقول مصادر معراب التي تلفت نظر الكتائبيين إلى أنّ الأمور «تراكمت منذ 18 كانون الثاني 2016 (توقيع ورقة النوايا بين التيار الوطني الحر والقوات)، يوم افتتحت الصيفي مسار تخوين القوات مروراً بتأليف الحكومة، ووصولاً إلى قصة وزارة الإعلام التي استغلها الكتائب». تسخر القوات دائماً من أنّ وزن الحزب تقلّص جداً خاصة بعد تسلّم النائب الجميّل للرئاسة. ووفقاً لمعاييرها، لا يُفترض أن يُشكل الكتائب خطراً عليها. بيد أنها لا توفر مناسبةً حتى تنقض عليه وتحشره في الزاوية. «بالعكس، ما المشكل مع الكتائب؟»، تسأل مصادر القوات. وتُذكّر بأنه حين كان ممثلاً بثلاث حقائب في حكومة تمام سلام «كان الحكيم (سمير جعجع) يعتبر أنه يمثّلنا». ولكن الجميّل «هو من ذهب بعيداً وبدأ إطلاق النار علينا. خرج عن الحدود». في المرحلة المقبلة، «يجب أن نعتاد، كقوى، أنه ممنوع سياسياً أن يزايد طرف علينا. ومن يقل إنّ القوات استسلمت لحزب الله عليه أن يتحمل نتيجة أقواله. هم الذين كانوا يُحضّرون لتسوية مع سعد الحريري وسليمان فرنجية».
تؤكد مصادر القوات أنّ ما نشره جبّور على «فايسبوك» لم يكن بأمر من جعجع «الذي قال في اليوم التالي إنه لم يكن يلزم أن ينشر شارل هذا الكلام». لا يُمكن للحزب أن يتنصّل من كلام مسؤوله الإعلامي وأن يظهر وكأن هناك أجنحة مستقلة داخل معراب، «ولكن كان من الممكن عدم التطرق إلى الشق التاريخي، الذي كان المقصود منه أنّ الكتائب ينتقي من تاريخه المحطات المضيئة ويتنصّل من المحطات السلبية».
حفيد مؤسس الكتائب ونجل مؤسس القوات، النائب نديم الجميّل، يصف كلام جبور بـ»القاسي، وبرأيي يطال كلّ القائمين على القضية، بما فيهم تاريخ القوات». لا يهم الرجل من بدأ الحملة ضدّ من، «القلوب مليانة، ولكن تاريخنا مشترك ونتشارك القاعدة الحزبية. يهمني أن نقف عند هذا الحدّ لأن الأمور أصبحت وسخة». نائب الأشرفية لن يتدخل لحل الخلاف «قبل أن يكون هناك نية بذلك من قبل الطرفين». إلا أنه يكشف عن «اجتماع كتائبي من المفترض أن يحصل من أجل أن نضع استراتيجيا المرحلة المقبلة».
مصادر أخرى في المكتب السياسي الكتائبي تقول إنّ سامي الجميّل «طلب أن نهدأ وأن لا نضيّع البوصلة. صحيح أننا في مرحلة هجوم لأننا لم نعد نتّكل سوى على أنفسنا، ولكن يجب أن نُركّز على ملف الانتخابات النيابية». العودة إلى الوراء أصبحت صعبة بالنسبة إلى الكتائب. بعد أن وضعت القوات نفسها في مقدمة القافلة التي أتت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وأعادت تسوية علاقتها المتوترة مع تيار المستقبل، وسحبت فتيل توترها الدائم مع حزب الله، يبدو من تصرفات معراب الحالية وكأنه لم يبقَ لها عدو سياسي سوى الكتائب. فهل السجال الأخير مقدمة لحرب إلغاء يشنّها جعجع على الصيفي؟ تنفي معراب ذلك: «الكتائب طرف موجود والعلاقة لم تُطوَ، ولكن يجب أن يعرف كلّ واحد حجمه ويكون هناك احترام في السياسة».