في قانوني 1992 و1996 استقلت الاقضية الثلاثة في جبل لبنان الجنوبي (الشوف وعاليه وبعبدا) بدوائرها الثلاث، وفي قانون 2000 دمج قضاءا بعبدا وعاليه احدهما بالآخر في دائرة انتخابية واحدة. ظل الشوف حينذاك مستقلاً كما من قبل في ذاته. لم يُقترح مرة تقسيم طولي او عرضي للدوائر الانتخابية الثلاث كالذي حمل بشري الى عكار في قانون 2000، من شأنه بعث القلق لدى النائب وليد جنبلاط. عندما قيل انه ماض في قانون مختلط مع حليفين هما تيار المستقبل والقوات اللبنانية يعتمد التصويتين النسبي والاكثري في آن، لم يكن من الممكن لأحد ان يصدّق مجازفة جنبلاط في اختبار النسبية ــــ وإن جزئياً ــــ على النحو المقترح. اخيراً وضع زيحاً عريضاً على الارض يمنع احداً ان يطأ عليه: لا قانون انتخاب سوى قانون 2008. للفور سارع الافرقاء جميعاً الى الوقوف وراءه. بعضهم اختبأ وراء ما جهر به لتبرير «الخصوصية الدرزية» والحؤول دون مقاطعة جنبلاط الانتخابات ما يعني نسفها برمتها. والبعض الآخر شاء التواري خلفه بغية الابقاء على ما يطلبه هو، قانون 2008.


في قانون 2008 الذي يعتمد الاقضية دوائر انتخابية، على نحو شبه منسوخ عن قانون 1960، تكمن فلسفة التمسك به ليس الآن فحسب، بل لـ57 عاماً خلت. ليس الزعيم الدرزي فحسب، بل الآخرون ايضاً. تقريباً لا قطب سياسياً او فريقاً يجد فيه مأزقاً. في اعوام الحقبة السورية كان المطلب الرئيسي لبكركي والقيادات والاحزاب المسيحية المعارضة آنذاك، وعشية اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 كان القانون الوحيد المرشح للاستحقاق في تلك السنة. قبل ذلك استمد منه قانون 2000 بعض اهدافه، وفي الدوحة كان شرط التسوية لا انتخاب الرئيس التوافقي.
قانون 2008 ابن قانون 1960 ابن قانون 1957.
يكاد لا يختلف قانون انتخاب 1957 عن قانون انتخاب 1960 في عدد الدوائر، لكنهما يختلفان في تحديد عدد المقاعد: الاول من 27 دائرة و66 نائباً والثاني من 26 دائرة و99 نائباً. تكاد ايضاً دوائر القانونين نفسها ما خلا ثلاثاً: بيروت دائرتان فصارتا ثلاثاً، الغيت دائرة الارمن المستقلة في ذاتها في برج حمود، دُمجت دائرتا الشوف (دير القمر ــــ شحيم، بعقلين ــــ العرقوب) في واحدة.
ما قدمه الرئيس فؤاد شهاب في قانون 1960 ــــ وكان يعدّه موقتاً وانتقالياً فعمّر الى اليوم ــــ هو نفسه ما رمى اليه عندما حل مجلس النواب عامذاك قبل سنة من انتهاء الولاية تمهيداً لاجراء انتخابات تعيد التوازنين السياسي والتمثيلي الى مجلس النواب بعدما افضى قانون 1957 الى اسقاط زعماء كبار اولهم كمال جنبلاط.


قانون 2008 ابن
قانون 1960 ابن قانون 1957
لم تكن المهمة الموقتة والانتقالية لقانون 26 نيسان 1960، على نحو اساسي، سوى رد الاعتبار الى كمال جنبلاط وزعامته في الشوف، ومنح بيار الجميل فرصة دخول مجلس النواب وكانت حينذاك المرة الاولى يدخل الى البرلمان بعد اخفاقه في بالوتاج 1951. ليست مصادفة ان تمسي الدائرة الاولى من بيروت مسيحية هي دائرة بيار الجميل بالذات، ولا كذلك توحيد الشوف كله في دائرة انتخابية واحدة حمت زعامة جنبلاط كي تكون دائرته، وكان يجبه خصماً قوياً على زعامة القضاء هو الرئيس السابق للجمهورية. ليست مصادفة ايضاً ان يصبح عدد نواب كل من الدائرتين 8 نواب، ولا مصادفة ان يكون جنبلاط والجميل هما العامود الفقري لشهاب الذي عندما يدعوهما الى التشاور في امر مهم في قصر صربا يقول: نادوا على الطويلين.
مذ ذاك، على مرّ عقود قانون 1960، حافظت دائرة الشوف على زعامة جنبلاط الاب وأضعفت زعامة شمعون. لم يسعه الترشح فيها عام 1960 بل في المتن كي يربح، وخسر فيها عام 1964 ولم يسعه في دورة 1968 ان يحوز مقاعدها ضد جنبلاط، وبالكاد اجتاز عتبة النجاح في انتخابات 1972. بالتأكيد لم يعط شهاب الزعيم الدرزي دائرتي عاليه (وكانت حصة خصمه التقليدي مجيد ارسلان) ولا بعبدا (وكانت حصن بشير الاعور وائتلافه مع شمعون).
يبرر ذلك كله مغزى تعلق جنبلاط الابن بدائرة الشوف، وتمدده في الحقبة السورية ــــ هو الحليف الاول لدمشق ــــ الى عاليه (فلا يفوز طلال ارسلان ما لا يترك له مقعداً شاغراً) وبعبدا. كان ايضاً الاب الفعلي لكل استثناء طاول قانون الانتخاب عند تقسيم الدوائر.
منذ انتخابات 2005 لم يعد الزعيم الدرزي الابن وحده يمسك بدائرة الشوف. الا انه حتماً زعيمها الاول. شأن والده الراحل عوّل اولاً على عائلات، ثم انفرد عنه بالتعويل مرغماً على ائتلافات حزبية. على مرّ الانتخابات التي خاضها الاب في ظل قانون 1960 لا حزب في لائحته سوى الحزب التقدمي الاشتراكي. اليوم يسلّم جنبلاط الابن بواقعية موازين قوى مختلفة اضحت عليها البلاد:
ــــ لم يعد يطلب في الشوف سوى 5 من المقاعد الـ8: درزيان (هو احدهما) وسني (السني الآخر لحليفه تيار المستقبل) وماروني واحد (المارونيان الآخران يشغلهما اليوم حزبا القوات اللبنانية والوطنيين الاحرار) وكاثوليكي.
ــــ بعدما اجتاح في انتخابات 2000 دائرة عاليه ــــ بعبدا، بات اليوم يقصر نفسه على حصة محددة في كل منها: درزي ومارونيان في عاليه، بينما يذهب المقعد الدرزي الثاني لارسلان (بتركه شاغراً) والمقعد الماروني الثالث يحل فيه اليوم نائب حزب الكتائب فادي الهبر (شأن 2005 مع انطوان غانم). في بعبدا لا يتمسك سوى بالمقعد الدرزي الوحيد الذي يقبض عليه اليوم فادي الاعور نائب التقاطع بين ارسلان والتيار الوطني الحر. ناهيك بمقاعد درزية ثلاثة في بيروت والبقاع الغربي (بالتحالف مع تيار المستقبل) وفي مرجعيون ــــ حاصبيا (بالتحالف مع الرئيس نبيه بري).
بالتأكيد يحتاج جنبلاط الى الضمان الذي يوفره تقسيم الدوائر بما يحفظ وحدة الاقضية التي تنتشر فيها طائفته، ولا يعرّض تمثيلها للذوبان بدمجها في محافظة. من خلال وحدة الدائرة يرسي التحالفات التي يريدها، او يحتاج اليها، كما تلك التي سيجد نفسه ملزماً الاقتراب منها.
ليس لأي من الافرقاء الآخرين كالثنائية الشيعية في البقاع والجنوب، وتيار المستقبل في عكار والبقاع الغربي وطرابلس والضنية متاعب مماثلة. وليس للفريق المسيحي حتى ما يشبهها في دوائر جبل لبنان الشمالي وجزين والشمال المسيحي. لذلك يريدون كلهم القانون النافذ.
ليس قانون الانتخاب وحده الذي يلحق بجنبلاط، بل ايضاً اولئك جميعاً.