عشية الانتخابات النيابية السابقة، كان النائب وليد جنبلاط يسرح في أقضية الشوف وعاليه والبقاع الغربي، فارضاً مرشحيه المسيحيين قبل الدروز على حليفيه، تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية. أصلاً، لم يكن في يد القوات حيلة، نظراً الى ضعفها الشعبي في تلك الأقضية، فارتضت بالمكرمة الجنبلاطية التي أوصلت النائب جورج عدوان الى البرلمان، رغم غيابه الدائم عن القضاء وقلة خدماته، شأنها في ذلك شأن الكتائب في عاليه.

يومها، وقف التيار الوطني الحر متفرجاً على تكبيل هؤلاء أيديه وانصرافهم الى تشكيل اللوائح من دون إقامة أي اعتبار لجمهوره وحيثيته، الأمر الذي يصعب تكراره في أي انتخابات مقبلة مع وصول الرئيس ميشال عون الى بعبدا أولاً، والتحالف العوني ـــ القواتي بدرجة ثانية.
فعلياً، أسقط العونيون اليوم جدار جبل لبنان الجنوبي وباتوا لاعباً رئيسياً في أي لائحة نيابية مفترضة، أكان في الشوف أم عاليه، كما في البقاع الغربي، وبات صعباً على جنبلاط والرئيس سعد الحريري تخطّيهم. في ميزان الربح والخسارة، سيخرج التيار الوطني رابحاً مهما كان توزيع المقاعد، إذ سينتقل من صفر نواب الى 3 نواب على الأقل، فيما، عملياً، لا حيلة للقوات اللبنانية في زيادة مكاسبها، وسيكون عليها مرة أخرى أن ترتضي بالمقعد الذي يشغله النائب جورج عدوان.

وسط ذلك كله، يجهد جنبلاط للحدّ من خسائره أمام التيار الوطني الحر. والثابت أن كتلة الـ11 نائباً لن تبقى على ما هي عليه، سواء أجريت الانتخابات على الستين أو وفق قانون رئيس مجلس النواب نبيه بري المختلط أو أي قانون آخر. والتحدّي الرئيسي الحالي أمام رئيس الاشتراكي ليس إلا السعي لتسجيل رقم جدّي في أصوات المقترعين للائحته، لا الوقوف في وجه المسّ بحصته المسيحية. لذلك يجد جنبلاط نفسه مضطراً الى التشبّث بحرسه القديم الذي كان يعتزم تغييره، كالنائبين علاء الدين ترو ومروان حمادة في الشوف، وأكرم شهيب في عاليه، نظراً الى حيثيتهم القوية شعبياً، رغم الحديث عن احتمال ترشيح كريم حمادة، ابن الوزير مروان حماده، مكان والده.


لا حيلة للقوات في زيادة مكاسبها وحصتها مقعد الشوف الماروني نفسه

بناءً على ما سبق، ترو وحمادة وتيمور جنبلاط ونعمة طعمة (عن المقعد الكاثوليكي) من الثوابت الاشتراكية في قضاء الشوف مهما كان التحالف وأيّاً كانت اللائحة. أما المقاعد المتحركة، فهي المقعد الذي يشغله النائب الاشتراكي إيلي عون (ماروني)، ورئيس حزب الأحرار النائب دوري شمعون (ماروني). والمرجّح عونياً أن يحل الوزير السابق في التيار الوطني الحر ماريو عون مكان إيلي عون، في انتظار صدور نتائج المرحلة الثالثة من الانتخابات الحزبية (عون حصل على أعلى نسبة تصويت في المرحلة الثانية)، وهو ما يعني تلقائياً سحب مقعد عون الماروني من جيب المختارة. أما مقعد شمعون فهوية شاغله غير محسومة حتى الساعة، وسط الحديث عن سيناريوين: الأول اعتماد مرشح عوني ثانٍ من الجبل يحظى برضى بقية الافرقاء، والثاني يعبّر عن رغبة مستقبلية بترشيح الوزير غطاس خوري، ما سيحتّم تخلّي المستقبل عن مقعد النائب محمد الحجار لمصلحة مرشح آخر يقول العونيون إنه ليس سوى وزير البيئة طارق الخطيب. لكن اللجوء إلى هذا السيناريو أقرب إلى المستحيل، لأنه سيعني تخلي تيار المستقبل عن المقعدين السنيين الوحيدين في جبل لبنان.
أما حصة القوات، فتبقى محصورة بالمقعد الماروني الثالث لمصلحة النائب جورج عدوان. وبالنسبة إلى المقعد الكاثوليكي الذي يشغله حالياً نائب اللقاء الديمقراطي نعمة طعمة، فتؤكد مصادر الأخير بقاءه فيه، لأسباب عدة، أبرزها قربه من بعبدا حيث كانت كل اجتماعات جنبلاط ــــ عون تجري في منزله وعبره، وعلاقته الجيدة بالقوات اللبنانية، وتكفّله بدعم جزء كبير من مشروع النائبة ستريدا جعجع «بيت الطلبة»، والأهم رضى جنبلاط عنه وخدماته في القضاء، وعلى رأسها دعمه لمؤسسات مختلف الطوائف، وحضوره الدائم معنوياً ومادياً في المجلس الأعلى للكاثوليك كما في الكنائس المارونية والأديرة. إلا أن بقاء طعمة سيشكل إحراجاً للتيار الوطني الحر الذي يضم في صفوفه مرشحاً كاثوليكياً هو الرئيس السبق لهيئة القضاء غسان عطاالله. ويخوض الأخير المرحلة الثالثة من الانتخابات الحزبية الداخلية، بعد أن فرض حضوره عبر النتيجة التي حققها.
في البقاع الغربي، العونيون متفائلون، ويؤكدون في هذا الصدد فرض ترشيح نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي عن المقعد الأرثوذكسي مكان عضو كتلة جنبلاط النائب أنطوان السعد. لكن مصادر المختارة تنفي أي حديث عن هذا الموضوع داخلياً أو مع التيار الوطني الحر. وهنا من الثابت اشتراكياً بقاء النائب وائل بو فاعور الذي يخوض الانتخابات المقبلة برصيد أكبر من رصيد عام 2009، لا سيما بعد انكبابه خلال السنتين الماضيتين على العمل الخدماتي في راشيا والبقاع الغربي، وتمكّنه من استمالة مفاتيح كانت محسوبة على خصومه. ومن البقاع الغربي تسلك التنازلات الجنبلاطية طريقها الى عاليه، مع تأكيد الاشتراكيين والعونيين على السواء عدم تبنّي ترشيح النائب عن المقعد الماروني فؤاد السعد مجدداً واستبداله بوزير الطاقة سيزار أبي خليل الذي تصدّر لائحة الفائزين في انتخابات التيار الداخلية. وفي الوقت الذي يتوافق فيه جنبلاط والتيار على بقاء النائب هنري الحلو نظراً إلى تخليه عن ترشيحه الرئاسي لمصلحة عون والتصويت له، سيكون من الصعب على الكتائب الإبقاء على المقعد الأرثوذكسي الذي يشغله النائب فادي الهبر، ولذلك عدة اعتبارات، أهمها أن الكتائب تؤثر فتح معركة بيئية مع وزير البيئة السابق أكرم شهيب، مغرّدة خارج سرب توافق السلطة.

يجد جنبلاط نفسه مضطراً الى التشبّث بحرسه القديم الذي كان يعتزم تغييره

تتقاطع مصادر الاشتراكي والعونيين في هذا السياق عند اسم رئيس جامعة البلمند في سوق الغرب أنيس نصار، وهو عونيّ وصديق شخصي للنائب وليد جنبلاط، لخوض المعركة على المقعد الأرثوذوكسي، ضمن لائحة توافقية.
الجولة على أقضية الشوف وعاليه والبقاع الغربي ــ راشيا ترجّح خسارة جنبلاط في أي لائحة ائتلافية مع القوات والتيار الوطني الحر والمستقبل وحزب الله وحركة أمل لثلاثة مقاعد مسيحية أقله، وخسارة الكتائب لمقعدها اليتيم في عاليه وخسارة القوات ضمنياً لعدم قدرتها على زيادة حصيلة مكاسبها رغم تظهير نفسها كشريكة العهد الجديد، فيما سيكون الرابح الأكبر في أي لائحة مفترضة وأي قانون مفترض هو التيار الوطني الحر الذي سيضيف ثلاثة نواب أو أكثر الى كتلته النيابية، ويفرض نفسه لاعباً رئيسياً خلال تشكيل اللوائح. أما شريك الربح فهو من دون شك تيار المستقبل. وفعلياً، كل السيناريوات المطروحة اليوم لا تمسّ بحصته من مقاعد الطائفة المسيحية كما السنية في الأقضية الثلاثة... إلا إذا قرر التيار «الإصلاح والتغيير» في قائمة ثوابت تيار المستقبل.