العنوانان اللذان يتصدران المواقف والتصريحات السياسية للقيادات الرسمية والسياسية والحزبية هما رفض قانون الستين ورفض التمديد للمجلس النيابي. لكن معظم القوى السياسية التي تكاد تحرّم كليهما، ستكون في نهاية المطاف أمام تحدي خوض الانتخابات على أساس الستين، وفي حال رفضته من دون الاتفاق على قانون جديد، فإن التمديد سيكون أمراً واقعاً حتماً.


لم تعد عبارة تمديد تقني هي المتداولة، لأن ابتداع تلك الكلمة عنى، لحظة بدأت القوى السياسية تروج له، أن التمديد سيكون لأشهر معدودة. لكن حين فاتح تيار المستقبل حلفاءه بإمكان التمديد للمجلس النيابي مرة ثالثة، لسنة واحدة، حتى يتم الاتفاق على قانون جديد من دون أن تكون القوى السياسية واقعة تحت سيف الوقت والمهل الانتخابية، سال لعاب بعض من استمزجت آراؤهم في هذا التمديد «اللاتقني»، علماً بأن البحث في التمديد الثالث ليس جديداً، ولا يرتبط بقانون الانتخاب ولا بالعهد الجديد، لأن الحديث عنه بدأ جدياً قبل الاتفاق على انتخاب العماد ميشال عون والاتفاق على تأليف الحكومة.

لماذا التمديد لسنة؟


الأمر الوحيد المؤكد
هو أن القوى
السياسية لم تتفق على قانون انتخاب


بالمعنى الانتخابي، أي قانون جديد يتم الاتفاق عليه، غير الأكثري الصافي، سواء المعمول به حالياً أو المعدل، يحتاج الى أشهر لترجمة آلياته وتطبيقه عملانياً وشرحه للناخبين، وهذا يفترض التمديد أشهراً عدة، بدءاً من نهاية ولاية المجلس الحالي الممددة، ما يعني مبدئياً إجراء الانتخابات في أيلول كحد أقصى. لكن هذا الموعد، بحسب المدافعين عن فكرة التمديد الطويل، ليس مستحباً إن لجهة مشاركة المغتربين الذين كانوا يأتون الى لبنان للاقتراع، أو لجهة تزامنه مع المدارس والجامعات، وعدم التمكن من الإفادة من الأساتذة والطلاب في هذه المرحلة. فالأمور»اللوجستية» بحسب هؤلاء تبرر غاية التمديد حتى ربيع عام 2018.
سياسياً، التمديد التقني لا يقدم أو يؤخر. إلا أن التمديد لسنة قد يكون حاجة للقوى السياسية التي انضوت تحت سقف الحكومة الوطنية واستعادة الثقة. فهذه القوى تتصرف أساساً كأنها باقية لأكثر من ستة أشهر، ووزراؤها يتعاملون مع ملفاتهم على أنها ليست ظرفية، لا بل يتصرفون كأنهم باقون في وزاراتهم لمدة طويلة، وخصوصاً أن ثمة ملفات اقتصادية ومالية وسياسية لا يريد أي طرف يمسكها اليوم التفريط بها مع حكومة جديدة بعد أشهر قليلة، بعدما فتح الجميع معركة المداورة وتبادل الحقائب الوزارية قبل أسابيع. وكذلك فإن الظروف الإقليمية والوضع السوري بكل تفاصيله السياسية والعسكرية، ونتائج أي انتخابات نيابية غير مضمونة، ولو أنها قد لا تشكل مفاجآت بالمعنى الفعلي، تشكل بدورها عوامل مشجعة للتمديد اللاتقني.
لكن الإجماع على هذا التمديد كان يواجه بعقبات وشروط، وتحديداً عقبة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي وقف كرئيس لتكتل التغيير والإصلاح ضد التمديد لمجلس النواب وضد التمديد في المواقع الأمنية. أما الشروط فظلّت محصورة بإمكان التوصل الى تفاهم وإجماع على قانون انتخاب قبل الدخول في مرحلة التمديد.
في الأيام الأخيرة، تحدث مشاركون في المفاوضات عن أن العقبة الأولى أصبحت شبه محلولة، وهي أن التيار الوطني يوافق على التمديد لسنة واحدة، شرط أن يقر قانون الانتخاب في وقت قريب، وأن التيار، الذي رفض التمديد سابقاً، مستعد لإيجاد صيغة وسطية وإخراج مقنع، بحيث يتم القبول بالتمديد كأهون الشرور، شرط التوصل الى قانون انتخاب وإقراره في مجلس النواب.
هذه المعلومات نفتها بالمطلق مصادر التيار الوطني، وقابلها إصرار على نفي أي كلام عن موافقة التيار على التمديد لسنة أو القبول بقانون الستين. يصرّ التيار على تأكيد أن لا صفقات ولا مقايضات في موضوع قانون الانتخاب، ولن يُسمِع أي طرف سياسي كلاماً يبرر الانتخابات وفق الستين أو التمديد للمجلس سنة واحدة. فموقف رئيس الجمهورية الذي يستلهم منه التيار موقفه يبنى على أمرين، أولاً، أن أي انتخابات نيابية على أساس الستين تعني التمديد للمجلس الحالي بصورة أو بأخرى، وهذا ما يشكل انتكاسة للعهد. الأمر الثاني، أن رئيس الجمهورية أرسل إشارة إيجابية قوية حين وقّع مرسوم فتح الدورة الاستثنائية للبحث وإقرار المشاريع المطروحة، وفي مقدمها قانون الانتخاب. وأي كلام يصدر عن عدم وضع القانون على جدول الأعمال سيقابل بإصرار نواب التكتل والتيار على وضعه، ورفع الصوت عالياً لأن المهل المتبقية لا تسمح بالمماطلة أكثر.
النقطة المهمة أيضاً، هي أن التيار لم يتخلّ عن الأرثوذكسي والنسبية، لكنه وضع مشروعين أمامه للبحث، هما: التأهيل على مستوى القضاء، والتصويت المحدود الذي بدأ يلاقي رواجاً أكثر من المختلط شبه المرفوض، ولا هواجس لديه مطلقاً ولا قلق حيال أي منهما، ولا أهداف تطمينية لديه. فما يطلبه هو قانون يؤمن عدالة التمثيل، وأن يبادر الأفرقاء الآخرون الى التصريح علناً وتبنّي المشروع الذي يريدونه، لا الإعلان فقط عما يرفضونه. فكانون الثاني يقترب من نهايته، ولا يمكن التأخر أكثر من ذلك في البحث عن قانون. والكرة اليوم في ملعب الآخرين، لأن رئيس الجمهورية والتيار يدفعان في اتجاه إقرار قانون انتخاب في أسرع وقت.

عملياً، ما مصير الانتخابات؟

الأمر الوحيد المؤكد هو أن القوى السياسية لم تتفق على قانون انتخاب، والأمل ضئيل أن تتوصل الى اتفاق على قانون جديد، في حين أنه لا إجماع على القبول بالتمديد للمجلس الحالي.
ثمة مخارج مطروحة حالياً صارت معروفة. لكن الجديد بحسب بعض المعطيات، أنه في حال إجماع كل القوى على رفض التمديد للمجلس، تتم الانتخابات على أساس الستين لمرة اخيرة، في موعدها الحالي، لأنه لا ضرورة حينها للتأجيل والتمديد، شرط الاتفاق على قانون جديد. لكن لضيق الوقت، ولرفض التمديد نهائياً، يتعذر العمل به عام 2017، إنما يصبح قانوناً نافذاً ليعمل به في الدورة النيابية المقبلة في العهد الحالي. فيكون العهد قد أدى قسطه بإقرار قانون جديد، ولو مع تجديد العمل بالستين لمرة نهائية، ولو أن ذلك سيكون نصف انتكاسة للعهد، رئيساً وحكومة ومجلس نواب. الحل الآخر هو أن تسارع القوى السياسية الى الاتفاق خلال 15 يوماً على قانون جديد تجرى الانتخابات على أساسه. وحتى الآن، يبدو هذا من سابع المستحيلات.