إذا كان هناك من رقم يطغى مالياً على بدايات "العهد الجديد" فهو الرقم 11. إنه عدد المليارات التي طالما أُثيرت حولها شبهات واتهامات من قِبل أحد فريقي النفوذ في البلاد، منذ عام 2005، كونها تُشكّل إنفاقاً بدون أي مسوغات قانونية أصلية أو استثنائية. كذلك هو عدد السنوات التي مرّت على لبنان بلا موازنة، التي، للمناسبة، نسيت البلاد برمتها على ما يبدو، أنها تُشكّل القانون الضروري وشبه الحتمي الذي يُشرّع للسلطات، بصفتها مفوّضة من قِبل الشعب عبر البرلمان أساساً، أن تُنفق لتأمين رفاهية وأمن وأمان اللبنانيين.


مقاربة هذه المعطيات، في ظلّ حكومة تهدف إلى إعادة بثّ الروح الوطنية والشفافية الإدارية في المؤسسات، ليست نزهة. فأن يتم إنتاج وإقرار موازنة عام 2017 مثلاً - وكان قد صاغ نسختها الأولى الوزير علي حسن خليل في الصيف الماضي ويتم التحضير اليوم لنسخة جديدة منها - يعني قطع حسابات جميع السنوات السابقة، وهو ما يبدو مستحيلاً في ظلّ أسئلة مشروعة عن الفساد والهدر في إدارة المال العام، في إطار سلوكيات موثقة.
كذلك، فإنّ التعاطي مع المال العام ضمن عقلية الارتهان للعجز على قاعدة أن "النفط والغاز سيحلّان المصاعب المالية اللبنانية"، ليس مدخلاً صحياً لتحسين ظروف البلاد وأبنائها. خذ مثلاً الفلسفة التي تتبناها وزارة المال في تقديم نسختها من الموازنة. تقول وثيقتها الخاصة بإجراءات "إعداد الموازنة في لبنان - 2016"، التالي: يجيز قانون الموازنة العمومية الصادر عام 1963 استخدام مال الاحتياط (الذي تتم مراكمته بالفوائض المالية) لتمويل بعض النفقات. واعتُبر هذا الإجراء في الماضي حلاً مثالياً لأن تنفيذ الموازنة غالباً ما كان يُحقّق فائضاً، أما بعد تبدّل الأوضاع منذ عام 1990 أصبح تنفيذ الموازنة يُحقّق عجزاً، وقد نَفَذَ مال الاحتياط.
ليس صعباً استخلاص روح الهزيمة والاستسلام للعنة المالية التي حلّت على البلاد بعد عام 1990، والتي تعكسها تلك العبارات. غير أن المهزوم ليس هو من كتبها أو من يدير تفاصيلها، بل هو المواطن الذي يتكبّد تداعياتها على كلّ جانب من حياته اليومية والعملية وتفاعلاته الاجتماعية.
إنها تلك العقلية تحديداً التي يجدر بأيّ حكم جديد أن يصوغ برامج وآليات للانتفاض عليها. وخصوصاً أن هكذا دينامية تفكير، يُمكن أن تفاقِمَ آثارَها السلبية على ثقافة البلاد، لعنة ثانية، قد تبدأ بالظهور مع بدء استخراج النفط وتقسيم الإتاوات والأرباح وابتكار عقود التلزيم.
لقد أدت سنوات طويلة من التفويض السياسي الخارجي لإدارة شؤون لبنان ومن هدر المال العام لصالح المشاريع الزبائنية، إلى إرهاق المؤسسات وإلى ضرب الآليات الإدارية والمنطقية لتيسير القطاعات المختلفة. وكلّ ذلك انعكس مديونية عالية فُرضَت عقاباً على الشعب اللبناني من دون أن تقابلها خدمات عامة ملائمة أو أسواق عمل تُجنّب الشباب الهجرة بهدف الإنتاج والعودة أو الاستقرار.


خدمة الديون الخارجية
بلغت 16 مليار دولار بين
عامي ٢٠٠٥ و٢٠١٥


وعلى الرغم من أن البلاد شهدت تحوّلات كثيرة منذ بداية عام 2000، إلا أن الثابت الوحيد هو استمرار ديونها بالارتفاع على نحو غير مستدام. وبحسب قاعدة بيانات الديون الخارجية للبلدان الفقيرة والنامية التي نشرها البنك الدولي أخيراً، فإنّ مديونية لبنان الخارجية ارتفعت من أكثر بقليل من عشرة مليارات دولار في ذلك العام إلى قرابة 31 مليار دولار بحلول نهاية 2015.
وكما تضخم هذا الدين بنسبة 200%، ارتفعت معه كلفة خدمته من 475 مليون دولار فقط إلى 1.65 مليار دولار؛ أي أنها تضخمت أكثر من ثلاثة أضعاف. وهكذا فاق إجمالي الفوائد التي تكبّدها لبنان لخدمة ديونه الخارجية 16 مليار دولار بين عامي ٢٠٠٥ و٢٠١٥.
وعلى الرغم من أن بلدان المنطقة تشهد تحولات تبعاً للمراحل التي تمرّ فيها ولأحوال الاقتصاد العالمي، فإنّ لبنان يراوح مكانه مشلولاً على المستوى المالي. يقول البنك الدولي في هذا الصدد، "تقليدياً، اعتمدت معظم بلدان المنطقة أكثر على تدفقات الرساميل منها على الديون" لتأمين احتياجاتها المالية "غير أن الوضع لم يكن هكذا في 2015". ففي هذا العام تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أدنى مستوى لها خلال خمس سنوات، وبقي لبنان يُسجّل أحد أعلى معدلات تدفقات الديون الصافية، قياساً بحجم اقتصاده، حيث بلغت 1.1 مليار دولار ما يعادل مرتين ونصف ما كانت عليه عام 2014.
ولكن في لبنان، المشكلة بمعناها التاريخي الكامل لم تكن، وليست اليوم، مع المؤسسات الدولية التي تفرض الشروط القاسية عبر القروض وبرامج الهيكلة؛ وهي المشكلة التي يعيشها معظم البلدان النامية التي عانت مع المديونيات العالية وتدهور أسعار الصرف. بل إنّ ارتهان لبنان الكبير هو للجهاز المصرفي المحلي؛ فالدين الأكبر يبقى داخلياً والنسبة الأكبر من الفوائد تدفع للاعبين محليين.
فبنهاية تشرين الأول 2016، بلغ الدين العام الحكومي (فقط) قرابة 75 مليار دولار، مرتفعاً بأكثر من 6% على أساس سنوي. وتحمل المصارف التجارية مع مصرف لبنان، بالتساوي تقريباً، 85% من الدين بالليرة اللبنانية. وبرصد النمط المسجّل خلال العام الماضي، من المتوقع أن يكون الدين العام الإجمالي والمعترف به رسمياً، قد ارتفع بواقع 5 مليارات دولار في عام 2016 وحده، على الرغم من أن هذا العام لم يشهد أي مبادرات تنموية خارقة أو مشاريع استثمارية أو تطوير مهم على مستوى البنية التحتية.
وهذا الدين معرّض للارتفاع أكثر محلياً وخارجياً، إذا استمرّ نهج الإدارة نفسه في القطاع العام. فخلال الأشهر الثماني الأولى من عام 2016، بلغ عجز المالية العامة 2.5 مليار دولار، مرتفعاً بنسبة 25% عن الفترة نفسها من العام السابق.
وليس بالضرورة أن يتحوّل العجز ديناً عاماً سيئاً، إذ يُمكن أن تُستثمر أمواله لتوليد قيمة مضافة أهم من الدين، ولكن حتى اليوم، ومنذ انطلاق لعنة عام 1990، فإنّ كل ما يحصده اللبنانيون من إدارة المال العام هو الكوارث. وتماماً كما المنطق الذي يُسيّر وزارة المال، ترصد بين الخبراء، تركيزاً على المؤشرات الكمية في هذا المجال، بغض النظر عن إمكان قطف ثمار تنموية للأموال التي يتم تداولها. فلا يزال طاغياً حتّى اليوم، منطق معدل الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وكيف، بوجوده عند 144%، يبقى دون المستوى التاريخي البالغ 185% قبل عقد مضى.
فهل يبقى طموح العهد الجديد على المستوى المالي محصوراً بإدارة العجز؟ وهل يستمرّ السلوك انهزامياً على المستوى المالي وقهرياً بحقّ الشعب إلى أن تبدأ إيرادات النفط والغاز بتغذية المالية العامة؟